الصفحة 568 من 597

هذا وقد تبيّن لك فيما تقدم معاملة علي ومن معه، للخوارج الحقيقيين المراقين، حيث لم يظلموهم شيئا من حقوقهم، وناظروهم، وراسلوهم مرارًا قبل القتال، ولم يبدؤوهم بقتال حتى قتلوا من قتلوا من المسلمين وأغاروا على أموالهم وسرحهم، وقبل القتال نادوا فيهم؛ أن من اعتزل القتال أو دخل الكوفة والمدائن فهو آمن، ثم كانت سيرتهم في قتالهم أنهم لم يغنموا أموالهم ولا صادروها بل ردوها على أوليائهم وأعطوها لورثتهم، هذا كله مع ما ورد من الأحاديث الصريحة في الحث على قتلهم أينما وجدوا، وتشبيهه بقتل عاد، وأنهم شر قتلى، وأن في قتلهم أجرًا.

وكل ذلك منه رضي الله عنه، تثبّتًا واحتياطًا في دماء المنتسبين إلى الملة، وما اشتد فرحه بقتلهم إلا حين استيقن بأنهم المعنيون في الأحاديث حين عثر على ذي الثدية بين القتلى، ثم مع هذا يقول لما سئل عنهم؛ أمشركون هم؟:"من الشرك فروا"قيل: أفمنافقون؟ قال:"إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا" (43) .

فأين فقه السلف رضوان الله عليهم وورعهم وإنصافهم حتى للخوارج المارقين؛ من تجنّي وبغي الخوالف المعتدين على الموحدين في زماننا.

[4] الوقفة الرابعة: ومن مشابهة أولئك الخوالف المرجفين للخوارج استدلالهم بنصوص الكتاب والسنة دون فقه أو نظر أو بصر، وتنزيلهم لكلام العلماء في غير مقامه.

فشابهوا الخوارج في وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم؛ (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم) أي لا يجاوزها ويتعداها إلى القلب الذي هو محل العقل والفقه.

حيث تتبع هؤلاء الخوالف ردود السلف على الخوارج، وأخذوا تأويلهم للكفر في قوله تعالى: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الكافرون ) )حين أنزل الخوارج ذلك على كل من عصى الله، بل وأنزلوها وأمثالها -كما تقدم- على الحكمين وعلىعلي ومعاوية ومن معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت