فهرس الكتاب
فعمد هؤلاء إلى أقاويل السلف في ردهم على صنيع الخوارج هذا، فنقلوها إلى غير مناطها، وأنزلوها على المرتدين والمشركين من طواغيت الحكام الذين قارفوا ألوانًا مختلفة ومتعددة من الكفر البواح، والشرك الصراح، يطول بسطها وبيانها وتتبعها.
فصيّروه بصنيعهم وتدليسهم هذا؛ (كفرًا دون كفر) على لسان السلف الذين لم يكن في زمانهم نظائره أصلًا.
وهذا يتعاطاه أناس من رؤوسهم عن قلة أمانة في التعامل مع الأدلة والنصوص كما قد خبرناهم، وعمومهم يتخبطون فيه لقلة فهمهم وضحالة فقههم، وضعف معرفتهم بدلالات آيات الكتاب وأسباب نزولها، كما كان حال الخوارج؛ هذا مع إحسان الظن بهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(وكانت البدع الأولى مثل بدعة الخوارج، إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، ولم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا، فهو كافر، وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين، لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان؛ الواحدة: أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
والثانية: أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك ... )أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (13/ 20) .
قلت: فلما ردّ عليهم الصحابة، وناظروهم في مثل هذه الأفهام السقيمة، جاء هؤلاء المجادلون عن الطواغيت، فعمدوا إلى ردودهم تلك في ذلك المقام؛ نحو قولهم (كفر دون كفر) أو (ليس الكفر الذي تذهبون إليه) ونحوه مما ينسب إليهم وبعضه في أسانيده مقال. فأنزلوا ذلك على شرك المشرّعين الصراح، وكفر القانونيين البواح.