الصفحة 572 من 597

[7] الوقفة السادسة: لابد وأنه قد ظهر لك وبان مما تقدم، أن جرائم وأفاعيل بعض غلاة مرجئة العصر ودعاة جهمية الزمان، المجادلين عن الطواغيت وأنصارهم، المحاربين للموحدين ودعوتهم، تجعلهم بذلك شرًا من الخوارج، ذلك الوصف الذي طالما رموا به الموحدين، مع أن الموحدين إنما خرجوا على كفار ومرتدين، ولم يخرجوا على أئمة عدل من المسلمين والمؤمنين؛ فخروجهم إذن طاعة محضة، لأنه تحقيق عملي للتوحيد وبراءة من الشرك والتنديد.

فلا شك أن هؤلاء الخوالف بتعدّيهم على الموحدين لأجل طاعتهم هذه؛ شرٌّ وأشد ضلالًا وخبثًا من الخوارج الذين تعدّوا على المسمين لأجل المعاصي والذنوب بزعمهم.

فلا عجب إذن أن يقول شريك القاضي في المرجئة: (هم أخبث قوم) .

وأن يقول الزهري: (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء) .

ويقول يحيى ابن أبي كثير وقتادة: (ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء) .

ويقول إبراهيم النخعي: (لَفتنتهم - يعني المرجئة-أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) ... أي الخوارج (47) .

هذا مع أن خلاف المرجئة الأوائل، مع أهل السنة انحصر في بدايته في الأسماء والألفاظ، أي أنه كان خلافًا في تعريف الإيمان فقط، وفي دخول الأعمال في مسمّاه، ولم يكن أحد من أوائلهم يدعو مع ذلك إلى التفريط بالأعمال، أو ترك الفرائض، فضلا عن أن يُرقع بإرجائه كفر الكفار وشرك المشركين وإلحاد المرتدين ... كلا، بل قد كان منهم عباد وزهار، وكان فيهم عاملون ومجتهدون (48) .

لكن الإرجاء صار بعد ذلك ذريعة أوصلت إلى مذهب غلاة المرجئة الذين أكفرهم بعض السلف؛ والذي نبت منه الإرجاء الكفري الذي يُصرّح أهله اليوم دون حياء بأنه (لا يضرّ مع دعوى التصديق أو الاعتقاد الصحيح شيء من المكفرات الظاهرة"القولية أو العملية"كما لا يضره التولي عن جنس العمل والإعراض عن الدين والانسلاخ عن الفرائض بالكلية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت