فهرس الكتاب
وهذا دليل على فراسة السلف رضوان الله عليهم، وقوة بصيرتهم حيث اشتد نكيرهم على المرجئة الأوائل، رغم أنهم لم يظهروا شيئًا من الكفر ولا سوّغوه أو جوّزوه.
ولكنهم عرفوا بنظرهم الثاقب وأدركوا أن هذا المذهب سيؤدي دون ريب إلى الانسلاخ من الدين والانفلات من شرائعه.
وآثار الإرجاء القبيحة اليوم وصنيع أفراخه، يؤكدان على فقه ونباهة السلف، فإن الإرجاء لم يزل ينحرف بأصحابه، حتى أخرج غلاتهم من الدين، وأقحمهم في المكفرات، وآل الأمر ببعضهم اليوم إلى تسهيل الكفر وتسويغه والترقيع للشرك وأهله، والإفتاء بجوازه، وجواز المشاركة فيه، أو جواز نصرته وحراسته وتولي أهله.
فلا عجب إذن أن يقول النخعي بفراسته، عن أوائل المرجئة وأصلهم: (لفتنتهم أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة) خصوصًا وأن أصل مذهب الخوارج، كما نصّ شيخ الإسلام (تعظيم القرآن وطلب اتباعه) (49) لكن أضلهم إعراضهم عن السنة المبينة له، وغير ذلك من أحوالهم وأهوائهم الذمية المتقدمة التي أضلتهم. أما أذناب المرجئة الخبثاء، فإنهم ينقضون بتلبيساتهم عرى القرآن والإسلام والإيمان، عروة عروة، ويسهّلون أمر تعدي حدوده، ويهوّنون من اقتحام نواقضه.
فهم على هذا شرٌّ وأخبث من الخوارج؛ الذين يبهتون الموحدين دومًا ويرمونهم بمسماهم.
[7] الوقفة السابعة: هذا واعلم في خاتمة هذا الفصل؛ أن رمي خصوم التوحيد لأهله ودعاته، بهذا المسمى البغيض عند أهل الإسلام، هي عادة قديمة لأهل البدع توارثوها عن بعضهم البعض، فهذه سنة الله تعالى في خلقه أن جعل لكل قوم ورثة.
فكما وأن للأنبياء ورثة يتتبعون آثارهم وينصرون توحيدهم -جعلنا الله تعالى منهم-. فكذلك لأعدائهم وخصومهم ورثة ... وللمنافقين ورثة، وللمخذلين ورثة، وللمدلسين والملبسين ورثة؛ يتوارثون باطلهم وشبهاتهم، ويتناقلونها في كل زمان، يستعملونها في ترويج بدعهم وفي الطعن على أهل الحق وأصحاب الطائفة المنصورة.