وقد تصديت لأشياء من ذلك داخل السجن وخارجه، وفي بلدان عدة، وأوقات مختلفة .. فتجمعت لدي من ذلك تجارب أودعت خلاصتها في هذه الأوراق .. وقد تنوع ذلك بحسب ما كان يحتاجه المقام، فتارة كنت أتصدى لذلك بالنصح، والوعظ والتذكير، وتارة كان ذلك بالمناظرة والجدال، وأحيانًا بالكتابة أو الخطابة ..
وكنت أبين جهدي في ذلك كله؛ أدلة الشرع، وأقاويل أهل السنة والجماعة، ومباينة تلك الأخطاء والإطلاقات لها، نصحًا لله تعالى وكتابه، ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعامة المسلمين وخاصتهم، وحرصًا على هذه الدعوة الغالية من أن تشوبها شائبة، ولذلك فإني أحتسب عند الله ما لقيته في سبيل ذلك من تطاول بعض الجهال أو بعض أصحاب الحماس الأجوف، لعدم متابعتي وإقراري لما تستحسنه عقولهم من ذلك. أو لوقوفي في وجه تلك الأخطاء والإطلاقات والممارسات .. فذلك خير لي من إقرار أحد على الخطأ أو الغلو أو الإفراط الذي قد يشوه هذه الدعوة المباركة، أو يسوغ لأعدائها الذين لا يفرقون - لأنهم لا يعرفون الإنصاف - بين الراسخين فيها وبين المبتدئين، ولا بين القائمين بها المتحملين لتكاليفها، وبين المدعين وصلها من الأدعياء .. ويكون مبررًا لهم وذريعة عندهم لرميها ووصفها بالغلو والتكفير، أو أنها كما يزعمون؛ من إفرازات القهر والفقر والأفكار السجونية، ونحو ذلك من دعاويهم الفارغة المتهافته. التي يلبسون بها أمر هذه الدعوة على الناس وينفرونهم بذلك عنها.
وليس همي هنا الدفع عن نفسي، فيشفيني في ذلك ويكفيني، قوله تبارك و تعالى (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ) )فما ذلك إلا بعض تكاليف هذه الطريق، وقد وطنا النفس عليها، وواسيناها بما طال مَن هُم خيرٌ منا، فما من نبي إلا وقد أوذي في نفسه أو عرضه، ولا بد لورثتهم - إن كانوا صادقين - من نصيب من تبعات ذلك الميراث ..