الصفحة 35 من 68

قال الشيخ أبو بصير حفظه الله [1] :

فإن قيل أين تكمن العلة في كفر المستحل .. ولماذا يعتبر كافرًا؟

أقول: المستحل لما حرم الله، وكذلك المحرم لما أحل الله، كافر من وجوه ولأسباب عدة منها:

1 -أن المستحل .. يكون باستحلاله لما حرم الله قد رد حكم الله تعالى، وأعرض عنه، وأبى الانصياع والانقياد له.

ومن كان كذلك، فهو كافر كفرًا أكبر لانتفاء مطلق الإيمان عنه، كما قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء:65.

قال ابن القيم رحمه الله: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج؛ وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم، وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض.

وعن عتبة بن ضمرة، قال: حدثني أبي عن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى! فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم. فأبى صاحبه أن يرضى! وقال: نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضي له قد اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر الصديق فقال: أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرضى، فسأله عمر. وفي رواية: قال عمر: أكذلك، للذي قضي عليه؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله قتل عمر صاحبي، ولولا ما أعجزته لقتلني: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما كنت أظن أن عمر يجترئ على قتل مؤمن"فأنزل الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم) ، فبرأ الله عمر من قتله.

قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَة) النور:63. وجعل يكررها ويقول: وما

(1) قواعد في التكفير نسخة إلكترونية من موقع الشيخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت