الصفحة 37 من 68

3 -أن المستحيل .. في استحلاله لما حرم الله يكون قد خطأ الله تعالى فيما شرع من الدين، ونسب إليه القصور والنقص والضعف .. ويكون كذلك قد كذبه أو كذب

عليه .. وهذا لا شك أنه من الكفر البواح.

ومثال ذلك: كأن يقول الله تعالى عن شيء هو حرام، فيأتي هو ليقول ـ ولو بلسان الحال ـ: لا، بل هو حلال، فإن تحريم هذا الشيء لا يصح، ولا يجوز، ولا يناسب زماننا، ولا يليق بتحضر الإنسان ولا يلبي حاجياته .. وغير ذلك من العبارات والاطلاقات التي هي الكفر البواح بعينه.

4 -أن المستحل لما حرم الله .. قد جعل من نفسه ندًا لله عز وجل، ونسب لنفسه خاصية الحكم والتشريع من دون الله تعالى، وهذا عين الكفر والشرك.

ومثال ذلك: كأن يقول الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام:57] ، فيأتي هو ليقول ـ ولو بلسان الحال: لا، بل إن الحكم إلا لي من دون الله؛ فما أراه حلالًا فهو الحلال، وما أراه حرمًا فهو الحرام، وعلى الناس طاعتي في ذلك، وهذه هي نفس الألوهية التي ادعاها فرعون لنفسه عندما قال: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص:38] . أي ما علمت لكم من مطاع ومشرع ترجعون إليه في جميع شؤون حياتكم الدينية والدنيوية غيري؛ إذ صلاحيات التشريع والتحليل والتحريم من صلاحياتي وليست لأحدٍ غيري .. تلك كانت ألوهية الطاغية فرعون التي ادعاها لنفسه!

ثم أن الله تعالى يقول: (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف:26] . فيأتي المستحل ليقول ـ ولو بلسان الحال ـ: بل أنا شريك لله في الحكم وسن التشريعات التي على الناس أن يتدينوا بها .. فالحلال ما أحله .. لا ما يحله الله .. والحرام ما أحرمه لا ما يحرمه الله .. وهذا عين الشرك والكفر البواح الذي لا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة النصوح.

5 -ومنها أن المستحل باستحلاله لما حرم الله، يكون قد تأله هواه، وجعل من هواه إلهًا معبودًا مطاعًا من دون الله؛ فالحلال ما يراه هواه حلالًا، والحرام ما يراه هواه حرامًا .. فهو في حقيقة أمره يعبد هواه ولا شيء سواه، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية:23] . وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّه) [القصص:50] . وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاه) [الكهف:28] .

قال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى 8/ 359: فمن كان يعبد ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه، فما هويه إلهه، فهو لا يتأله من يستحق التأله، بل يتأله ما يهواه، وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل له، وهذه محبة مع الله لا محبة لله، وهذه محبة أهل الشرك ا- هـ.

لأجل هذه الأسباب جميعها، اجتمعت الأمة ـ سلفها وخلفها ـ على القول بكفر المستحل لما حرم الله، والمحرم لما أحل الله، اجتماعًا لم يشذ عنه عالم معتبر. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت