تعالى في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [1] وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا وتقشفًا، وبعضهم حرم ذلك عن نفسه إما بيمين حلف بها، أو يتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمي الجميع تحريمًا حيث قصد الامتناع منه إضرارًا بالنفس وكفًا لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال (فلان لا يحلل ولا يحرم) إذا كان لا يمتنع من فعل الحرام ولا يقف عند ما أبيح له وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام -ولا يتحاشى منه- محللا وإن كان لا يعتقد حله. يقول الشنقيطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) [2] : إنها (فتوى سماوية من الخالق -جل وعلا- صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله. وقال في موضع آخر: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله -جل وعلا- على ألسنة رسله أن لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماهم من نور الوحي مثله) [3] ثم يقول (وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض) ... الخ.
ثم انظر ما قاله الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [4] ؟ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله -المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم"جنكيز خان"الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [5] ويقول أيضًا في تفسير قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [6] : هذا أمر من الله -عز وجل- بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة
(1) - قال عكرمة وغيره: (سبب نزول هذه الآية أن عثمان بن مظعون وعليا وجماعة آخرين تبتلوا فجلسوا في بيوتهم واعتزلوا النساء وحرموا طيبات المطعم والملبس وهموا بالاختصاء فنزلت هذه الآية ناهية عن ذلك) أنظر الدر المنثور 2/ 30) وكتاب (الإفصاح عن أحاديث النكاح(ص15) ..
(2) - التوبة: 31.
(3) - من أضواء البيان 4/ 83.
(4) - المائدة: 50.
(5) - انظر تفسير ابن كثير 2/ 67 و1/ 518 -والبداية والنهاية 13/ 119 وأحكام القرآن للجصاص 3/ 181.
(6) - النساء: 59.