قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [1] فكل من أمر بالتصويت على هؤلاء فقد أطاعهم واتخذهم أربابًا من دون الله يحللون ويحرمون كما يحلو لهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) [2] وأحسن تفسير لهذه الآية ما رواه الترمذي في جامعه [3] عن عدي بن حاتم قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) [4] وقال السدي: (استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم) قال الألوسي: (الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم) قال الماوردي: وقوله (أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) يعني آلهة لقبولهم منهم تحريم ما يحرمونه عليهم وتحليل ما يحلونه لهم فلذلك صاروا لهم كالأرباب وإن لم يقولوا أنهم أرباب ومن هنا لا يجوز مطلقًا لأي أحد حاكمًا كان أو محكومًا عبدًا أو سيدًا أن يحلل ويحرم بغير إذن من الله ومن فعل ذلك فقد كفر) وجاء في الدرر السنية [5] (فمن أعان على ترك واجب أو إباحة محرم من شعائر الإسلام الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة فحكمه الكفر وإن ادعى الإسلام) قال ابن رجب الحنبلي في الجامع 2194 (وقد فسر بعضهم تفسير الحلال باعتقاد حله وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه ويكون الحلال ها هنا عبارة عما ليس بحرام فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح ويكون المعنى أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره ويجتنب المحرمات وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى:(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) [6] قالوا: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه والمراد بالتحليل والتحريم فعل الحلال واجتناب الحرام كما في هذا الحديث وقد قال الله تعالى: في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرام (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ) [7] والمراد: أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عامًا فيحرمونه بذلك وقال
(1) - الأنعام: 121.
(2) - التوبة: 31.
(3) - وهو في اصطلاح المحدثين ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث المجموعة في قول شيخنا المحدث محمد ابن العلامة علي بن آدم بن موسى لأثيوبي الولوي
الجامع الذي حوى مناقبا ... وسيرًا وفتنًا وأدبًا ...
تفسيرًا للشروط والعقائدا ... والثامن الأحكام خذ نلت الهدى
(4) - حسنه الترمذي وصححه الألباني- وضعفه علماء البلاط.
(6) - البقرة: 121.
(7) - التوبة: 37.