الصفحة 17 من 56

كما قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [1] فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ولهذا قال: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [2] فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر ويقول في البداية والنهاية: (فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه من فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين) ويقول الجصاص في أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) [3] الآية: (وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع عن التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان) قال شيخ الإسلام في الفتاوى [4] : (إذا عرف هذا فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان فيجب على العبد أن يكون راضيًا بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض ثم يذكر الآية السالفة فيقول: فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه وحتى يسلموا لحكمه تسليمًا وهذه حقيقة الرضا بحكمه فالتحكيم في مقام الإسلام وانتفاء الحرج في مقام الإيمان والتسليم في مقام الإحسان) وقال أيضًا: (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء) وقال تلميذه ابن القيم في"الإعلام" [5] (فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟) .

قال ابن كثير في تفسيره [6] : (يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أموره فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال:(ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [7] أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالته (تحكيم القوانين) [8]

إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة

(1) - الشورى: 10.

(2) - النساء: 59.

(3) - النساء: 65.

(5) - انظر (مجموع الفتاوى) (3/ 267) ومدارج السالكين (2/ 201) والإعلام (1/ 51) .

(6) - تفسير ابن كثير (1/ 520) .

(7) - النساء: 65.

(8) - ص1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت