يعادي المشركين ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به وأنه سلفي- في الحقيقة عرفوا توحيد الربوبية وبعض توحيد الصفات أما توحيد الألوهية فهم به جهلة -إن كثيرًا من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين. واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه ولا يكون المسلم مظهرًا لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته والبراءة منه. أيها البلاطيون ما هكذا يكون إظهار الدين -وإنما إظهار الدين تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم وليس فعل الصلوات فقط إظهارًا للدين ورحم الله أبا الوفاء حيث قال: (إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة فاللجًا اللجأ إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين والانحياز إلى أوليائه المؤمنين والحذر الحذر من أعدائه المخالفين فأفضل القرب إلى الله تعالى مقت من حاد الله ورسوله وجهاد باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان) . فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع فإن من المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعد ما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم فأرادوا منه صلى الله عليه وسلم الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [1] . لا تظنون أنكم على شيء يا علماء البلاط ليس الدين لبيك فحسب ورحم الله من قال:
يظنون أن الدين لبيك في الفلا ... وفعل صلاة والسكوت عن الملا ...
وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا ... وما الدين إلا الحب والبغض والولا ...
كذاك البرا من كل غاو وآثم.
فإظهار هذا الدين يكون بتصريح كفر وبغض وعداوة كل من نازع وظيفة التشريع عن الله وجعلها لنفسه كما فعل البرلمانيون المشرعون تشريع اليهود والنصارى في مصر والكويت ورحم الله من قال:
إظهار هذا الدين تصريح لهم ... بالكفر إذ هم معشر كفار ...
وعداوة تبدو وبغض ظاهر ... يا للعقول أم لكم أفكار؟ ...
هذا وليس للقلب كاف بغضه ... والحب منه وما هو المعيار؟
(1) - الأحزاب: 21.