حيث قال: (وَبَدَا بَيْنَنَا) . أي: ظهر -هذا هو إظهار الدين فلا بد من التصريح بالعداوة وتكفيرهم جهارًا والمفارقة بالبدن -ومعنى العداوة: أن تكون في عدوة والضد في عَدوة أخرى كما أن أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر وإنما النزاع في إظهار العداوة). وقوله تعالى: (وَبَدَا) أي: وظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء لأن الأولى أهم من الثانية فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم -بل ربما أجاز الاستغاثة بهم كما فعل علماء البلاط في السعودية- فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل العداوة والبغضاء، ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين، واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين). قال ابن القيم [1] : (لما نهى الله تعالى عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال) . ورحم الله من قال:
فمن لم يعاد المشركين ومن لم ... يوال ولم يبغض ولم يتجنب ...
فليس على منهاج سنة أحمد ... وليس على نهج القويم معرب
وقال أيضًا:
فعادِ الذين عادى لدين محمد ... وال الذي والاه من كل مهتد ...
وأحبب لحب الله من كان مؤمنًا ... وأبغض لبغض الله أهل التمرد ...
وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل غاو ومعتد
فكل من قال: لا أعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم فهو غير مسلم وهو ممن قال الله فيهم: (وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [2] . أما أصحاب مصلحة الدعوة ونصر الدعوة فيقولون: (يا أخي أثبت وجودك مع الأعداء وتقرب إلى هؤلاء الكفرة، لعلك تحصل على منصب أو كرسي في مجلس الوزراء أو مجلس الأمة أو ترشح لرئاسة البرلمان لعلك تقلل من الظلم أو تنفع أخاك ولا تترك الترشيح للعصاة والمجرمين ليستغلوه. وكم سمعنا هذا الهراء حتى من بعض المثقفين ثقافة بوشية وكلينتونية:
قوم تراهم مهطعين لمجلس ... فيه الشقاق وكل كفر دان ...
بل فيه قانون النصارى حاكما ... من دون نص جاء في القرآن ...
تبًا لكم من معشر قد أشربوا ... حب الخلاف ورشوة السلطان
(1) - في بدائع الفوائد (3/ 69) (وسبيل النجاة .... ) (والدرر السنية) .
(2) - النساء: 150 - 151.