الصفحة 33 من 56

أقول: فلو كان في دخول هذا المجلس مصلحة تكميلية لحفظ الدين من كيد النصارى فإن اعتبار هذا ما يعود على الأصل بإبطال -كما بينا في هذه الرسالة- إذ هو يتعلق بأصل الدين وهو التوحيد وهذا المجلس الشركي مضادّ له من كل جانب أضف إليه ما فيه من تضليل العامة بإقرارهم هذا المجلس الشركي -ثم إن الشروط التي تراعى في المصلحة والتي اعتبر الأئمة:

1 -أن تكون المصلحة التي يشرع الحكم من أجلها كلية على معنى أنها تشمل أكبر عدد من الناس وقع عليهم الضرر وهو التضليل عن الحق وهو أن أصل هذا المجلس وكذا نظام الحكم كله على الشرك ومشايعتهم لذلك من الشرك فعليهم أن ينكروا أو يكرهوا.

2 -أن تكون المصلحة التي يبنى عليها تشريع الحكم مما يتحقق معها جلب النفع أو دفع الضرر فإن كانت المصلحة متوهمة النفع أو متوهمة دفع الضرر فلا يصح أن يبنى عليها تشريع حكم (وهذا الشرط مفتقد هنا بل عكسه الواقع فضرره متحقق وهو ما ذكرناه بل أكثر من ذلك وهو تمكين أهل الباطل فيهم وادعاء الطاغوت أنهم يصارعونه على السلطة ليفسدوا البلاد وابتلوا -وليس ذلك بالابتلاء الذي هو سنة كونية بل هذه هي الفتنة التي قلنا إن علينا ألا نعرض أنفسنا لها لأنها جاءت من طريق لم يأذن فيه الشرع أما المصلحة المظنونة فهي بعيدة المنال) . ولا نريد أن نطيل الكلام على الفتنتين، لأن المقام لا يسمح.

3 -الشرط الثالث: ألا يعارض التشريع الذي روعيت فيه المصلحة حكمًا أو مبدأ مبنيًا على نص أو إجماع فإن عارضه فلا يصح -وهذا المبدأ موجود وهو أن هذا المجلس شرك بالإجماع كما بينا في أول الرسالة وكما قال ابن حزم وابن تيمية: (الإجماع في هذه المسألة وهي التشريع من دون الله عز وجل) . هذا بالنسبة للمصالح أما بالنسبة للمطالبة بشرع الله تعالى من خلال قانون المجلس فلا يخرج الأمر عن كونه شركًا وكفرًا وذلك يتبين شرعًا وحالًا.

أ- أما شرعًا: فإن المقصود بالعبادة هو الامتثال والطاعة على أنها من عند الله تعالى لا على أنها قانون صدر من هيئة ما، وذلك يضادّ الاستفتاء عليه وأخذ الأصوات أين هم من قوله عز وجل؟: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [1] أي: المستسلمين لأوامره ونواهيه. كما قال النسفي: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [2] أي: انقادوا لحكم الله لهذا قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) [3] أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم وانقادت لشرع الله جوارحهم ومثل هذا في كتاب الله كثير وإلا فإن دولة (كفرنسا) لو أخذت الحدود كقانون لها لم يصيروا بذلك مسلمين بل الأصل امتثال شرع الله جملة على أنه واجب القبول والانقياد بلا مناقشة ولا مراجعة ولا اختيار وخلاف هذا كفر).

(1) - الأحزاب: 36.

(2) - المائدة: 44.

(3) - الزخرف: 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت