الصفحة 32 من 56

يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمّع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم فقال لا، ولا نعمة عين أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمّع: يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه كنت غلامًا قارئًا للقرآن وكانوا شيوخًا قد عاشوا على جاهليتهم وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثمًا، ولا اعلم بما في أنفسهم فعذره عمر رضي الله عنه وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء) [1] . فيؤخذ منه أن الذي يجمع الناس للبرلمانيين لا تجوز الصلاة وراءه، ومن صلى وراءه أعاد أبدًا ولو خرج وقتها على مذهب الإمام مالك فما بالك بمن يدخل فيه فانظروا دقة بلاغة وفصاحة القرآن عندما قال: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) فلفظة. (أَبَدًا) ظرف زمان وظرف الزمان على قسمين -كما قال ابن العربي-: ظرف مقدر كاليوم والليلة، وظرف مبهم على لغتهم ومطلق على لغتنا كالحين، والوقت (والأبد من هذا القسم) - بيد أنا نشير فيه ها هنا إلى نكتة من تلك الجمل وهي: أن (أَبَدًا) وإن كان ظرفًا مبهمًا لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بالنهي أفاد العموم -أو بالنفي كما قال القرطبي- لا من جهة النهي فإنه لو قال: (لاَ تَقُمْ فِيهِ) لكفى في الانكفاف المطلق فإذا قال: (أَبَدًا) فكأنه قال: (لا تقم في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان والحكم واحد في هذه المجالس لا تقم فيه أبدًا- أما ما يتبجّح به البعض من أن:(في دخول هذا المجلس مصالح تكميلية) . فباطل من وجوه كثيرة والدليل على هذا أن الشاطبي ذكر في الجزء الثاني من (الموافقات) : (أن الجهات التي يعرف بها مقاصد الشرع التعين الناظر في المصالح ويجهد نفسه في تنقيحها:

1 -صريح الأمر والنهي.

2 -اعتبار العلل بمسالكها المعروفة فإن لم تعلم فالتوقف.

3 -النظر في المصالح التابعة فما كان مؤكدا للمصالح الأصلية فهو مقصود وما لا فلا -ثم إنه رحمه الله بين في أول الجزء الثاني- (أن كل تكملة فلها -من حيث هي تكملة- شرط هو أن لا يعود اعتبارها على الأصل بإبطال) . وذلك دل عليه أمور:

1 -في إبطال الأصل إبطال التكملة.

2 -لو قدرنا حصول المصلحة التكميلية مع فوات المصلحة الأصلية لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت -فإن المصلحة التكميلية في المجلس هي منع الخمور من بعض الأماكن والتقليل من الشيوعية [2] والروافض لعنة الله عليهم في المجلس وأما المصلحة الأصلية التي أبطلت في الدخول فيه فهي توحيد الله عز وجل وإفراده في الحاكمية والتشريع فإبطال الأصل إبطال التكملة ويجب أن تراعي المصالح الأصلية قبل التكملة لأن التكملة تبع.

(1) - انظر الجامع لأحكام القرآن (8/ 255) وأحكام القرآن لابن العربي وتفسير الظلال وغيرها من التفاسير.

(2) - وقد قرأت في الحجاز في مجلة (المجتمع) ما يلي: (وقد عمدت الحكومة الأردنية مؤخرًا إلى طرح مشروع خاص في مجلس النواب الأردني للموافقة عليه وهو إلغاء قوانين مقاومة الشيوعية لعام 1990 وقاومه بشدة معظم النواب الذين يمثلون قاعدة شعبية مسلمة يجب عليهم الحفاظ على هويتها وعقيدتها وانتمائها) وسيأتي مزيد من التفصيل قريبًا-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت