وما دمنا غير قادرين على تغيير المنكرات الظاهرة، فلا يحل لنا أن نعرّف بها أو نحذر منها أو نسميها منكرًا، وما لم تكن منكرًا فهي حتمًا معروف .. وهكذا ...
وفي هذا من الباطل ما يلزم منه فتح أبواب الفساد والإلحاد، وتسويغه وتهوينه على العباد ..
والحق والصواب في هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في محكم كتابه بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال تعالى عن شعيب: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت .. )
ومنه وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهية المعروفة في أن (الميسور لا يسقط بالمعسور) فإذا عجز المسلمون في وقت من الأوقات عن الخروج على الحاكم الكافر وتغييره، فلا يعني هذا أن يتركوا تكفيره، بل هذا حكم شرعي يستطيعونه فيجب عليهم أن يتقوا الله فيه .. وفي غيره مما هو من آثار تكفير الحكام ويستطيعونه، فيجتنبوا نصرته وتوليه والتحاكم إلى أحكامه الكفرية، ولا يولونه أمر دينهم، ولا يجعلون له عليهم سبيلا، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولا يدخلوا في بيعته أو يقاتلوا تحت رايته، أو يعينوه على باطله أو يظاهروه على مسلم .. إلى غير ذلك مما يملكون فعله ويقدرون عليه، وأيضًا فإن معرفة كفر الحاكم، مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذي يمكن في يوم من الأيام من تغييره ..
بخلاف من كان الحاكم عنده مسلمًا، فإنه لن يرفع بذلك رأسًا، ولن يفكر يومًا ما بالإعداد الجاد لتغييره كما هو واقع مرجئة العصر في هذا الزمان ..
فاختلاف الحكم على الحاكم عند كل فريق؛ هو الفرقان والميزان الذي يزن سلوك كل فريق ويميز توجهه وصبغته، ما بين موحد كافر بالطاغوت معادٍ له، أو مجتنب على أقل الأحوال ..
وما بين مبايع له مناصر، أو مجادل عن باطله مهون من كفرياته .. وواقعنا وواقع خصوم هذه الدعوة أكبر شاهد على هذا .. فليتدبر المنصف أحوال الموحدين وسلوكهم ودعوتهم ومنهاجهم في واقع اليوم ..
ثم لينظر في واقع الخوالف الذين ناموا في أحضان الطواغيت ورضعوا من ألبانهم، وسلطوا ألسنتهم وأقلامهم على كل من خرج عليهم أو نازعهم، بلسانه أو سنانه. أهـ [الآيات والأحاديث الغزيرة ص 95 - 97]