الصفحة 18 من 106

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: حدثني ابن الخضيري عن والده الخضيري, إمام الحنفية في زمنه، قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا [1] ، كان كافرًا ذكيًا. أهـ [الدرر السنية 9/ 423] فبالرغم من تكفيرهم إياه إلا أنهم شهدوا له بالذكاء, فشتان: بين إنصاف السلف، وإجحاف الخلف؟!

ولك يا أخا المنهج والعقيدة أن تتمثل ببيت أبي العلاء المعري حين قال:

لما رأيت الجهل في الناس فاشيًا ... تجاهلتُ حتى ظُنّ أني جاهلُ!

الوجه الثاني: إننا لا ننكر وجود من يجهل الكثير من أمور الدين، وما ذلك إلا لاشتغالهم برأس الأمر؛ التوحيد وأصول الدين، ودراسة هذه الأمور مقدمٌ في الشريعة على دراسة غيره، ولقد بينا آنفًا أن تكفير الكافرين هو من أمور التوحيد التي لا يُنشغل عنها بغيرها، فالكفر بالطاغوت أولًا ثم الإيمان بالله ثم مباني الإسلام وشرائعه، فعلى المرء أن يتعلم الأهم فالمهم. قال تعالى (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران: 79] قال البخاري رحمه الله: ويقال: الربّاني الذي يُرَبِّي الناس بصِغار العلم قبل كباره. أهـ قال ابن حجر: والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دقّ منها. أهـ [فتح الباري 1/ 160 - 162] ومسائل العقيدة من أوضح المسائل لذلك لم يختلف الصحابة في شيءٍ منها إلا ما روي من اختلافهم في مسألة:"هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه؟"ومن أوضح مسائل العقيدة مسائل الكفر والإيمان بخلاف مسائل القضاء والقدر مثلًا أو الأسماء والصفات. وقد قال الله تعالى: (فأعلم أنهُ لا إله إلا اللهُ واستغفر لذنبكَ وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: 19] فبدأ أمره تعالى بتعلم التوحيد وبدأ بالنفي (لا إله) وهو الكفر بالطاغوت، ثم الإثبات (إلا الله) وهو الإيمان بالله [2] . وقال الله تعالى: (فبشِّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب) [الزمر: 17 - 18] وأحسن العلوم وأفضلها علم التوحيد والعقيدة [3] ، قال ابن عبد البر رحمه الله: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يُحاط به، فخذوا منه أحسنه. وعن الشَعبي مثله. وأنشد محمد بن مصعب لابن عباس:

ما أكثر العلم وما أوسعه ... من ذا الذي يقدر أن يجمعه

(1) هو أبو علي الحسين بن عبد الله البلخي ثم البخاري، صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق، المتوفى سنة 428هـ وكان يلقب بالشيخ الرئيس.

(2) كما قيل: التخلية قبل التحلية.

(3) قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- معقبًا على قول الشاعر:

وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها ... فأجلُّها منها مقيمُ الألسُنِ

قال ابن عبد البر: لو كان مهتديًا هذا الشاعر لقال:

وإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها ... فأجلُّها منها مقيمُ الأدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت