وقع في الكفر الصريح، يقولون: إن هذا مسلم! وهو تجده يستهزأ بالدين ويسب رب العالمين والعياذ بالله، وهذا بالإجماع لا شك في كفره نسأل الله العافية والسلامة، فأصبح يقال: عمن يقول هذا القول: هذا على مذهب الخوارج! هذا كلام باطل، بعض الناس يريد أن يفر من مذهب الخوارج فيقع في الإرجاء، نحن نبرأ إلى الله من مذهب الخوارج ومذهب المرجئة، وإنما المذهب الصحيح هو الذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة .. إلى أن قال: فينبغي الانتباه إلى هذه القضايا والأمور والاهتمام بها، ثم فقه العبادات غيرها وهكذا. أهـ [سلسلة مباحث في الجرح والتعديل للشيخ السعد، شريط 4 الوجه الثاني]
فهؤلاء الثلة المباركة التي ينقم منها أهل الإرجاءِ والتجهم شغلهم الشاغل التوحيد والأصول، وكما هو متعارف عند أهل العلم قولهم: التوحيد ينتقل به إلى غيره، ولا ينتقل منه إلى غيره. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عجبتُ لمن ترك الأصول، وطلب الفضول! [الجامع لأخلاق الراوي: رقم 1612] وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ومن ضيع الأصول حرم الوصول. أهـ [بهجة قلوب الأبرار ص45]
الوجه الثالث: لا يشترط فيمن يتكلم في فنٍ من الفنون أن يكون ملمًا بجميع الفنون, بل ولا يشترط أن يكون ملمًا بجوانب الفن نفسه الذي يتكلم فيه.
قال الإمام ابن حزمٍ رحمه الله: وفي هذا الباب أيضًا بيان جلي على أن من علم شيئًا من الدين علمًا صحيحًا فله أن يفتي به، وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك .. وقال أيضًا رحمه الله: وليس جهله بما جَهِل بمانع من أن يفتي بما علم، ولا علمه بما عَلِم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يُفْتِ إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتي أصلا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله. وفي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك، لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام .. أهـ [أنظر الإحكام 5/ 127 - 128] قال الشيخ العلامة عبد القادر بن عبد العزيز تعليقًا على كلام ابن حزم: وقول ابن حزم (ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك) يعنى الصحابة رضي الله عنهم، وقد بَوَّب البخاري رحمه الله لهذه المسألة في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب (الحجة على من قال إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم عن مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام) (فتح الباري) جـ 13/ 320، وأقام فيه البخاري الأدلة على أن بعض السُّنن كانت تخفى على بعض الصحابة ويعلمها غيرهم لتفاوت ما عندهم من العلم، وكانوا - مع ذلك - يُفتون فيما علموه، وهذه حجة لمن أجاز تجزئة الاجتهاد وجواز الإفتاء معه، كما احتج بذلك ابن حزم رحمه الله. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 1/ 319]