وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض.
وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال: أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه. فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم، والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرا، لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا من شذ شذ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرا يسيرا فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة وهي السبيل .. لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم مضى عليها سلفهم وينتظرها خلفهم من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي. [إعلام الموقعين 3/ 398]
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله بعد أن ذكر أقوال العلماء في معنى الجماعة: وحاصله؛ أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة. أهـ [الاعتصام 2/ 172] [1]
(1) والأحاديث المذكورة التي أشار إليها الإمام اللخَمي الشاطبي الغرناطي- رحمه الله - كثيرة, وجلها يستدل بها المرجئة على عدم مفارقة هؤلاء الحكام المتسلطين على رقاب المسلمين، وإن منها: ما رواه أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من خرج من الطاعة و فارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية) .
وما أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس مرفوعًا: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فميتته جاهلية) .
وما رواه الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد مرفوعًا: (ثلاثة لا تسأل عنهم رجل فارق الجماعة وعصى إمامه وعبد أبق من سيده فمات مات عاصيا وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤونة الدنيا فخانته بعده)
وما رواه الترمذي والنسائي وابن خزيمة وغيرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع) . وغيرها مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.