الصفحة 9 من 106

وقال الله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) [البقرة: 256] قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب: ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يُعتقد فيه غير الله، من جني أو أنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك, وتشهد عليه بالكفر والضلال وتبغضه ولو كان أبوك أو أخوك. أهـ [الدرر السنية 2/ 121] وقال أيضًا رحمه الله: فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتكرها وتبغضها وتُكفر أهلها وتعاديهم. أهـ [مجموعة التوحيد: 329] وقد ذكر الإمام البربهاري في كتاب شرح السنة جملة من المكفرات ثم قال: وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام. أهـ وقال الشيخ العلامة سيد إمام - فك الله أسره وإلى الحق ردنا ورده: ومن أظهر لنا الكفر أظهرنا له التكفير. أهـ [الجامع في طلب العلم الشريف 1/ 162] وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ردًا على أشباه مرجئة زماننا: فالله الله إخواني تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره اسه ورأسه وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال ما علي منهم أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى بل كلفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانه أو أولاده. أهـ [1] [الدرر 2: 119]

ولا يفوتني هاهنا أن أغيظ المرجئة بالقاعدة العظيمة التي قررها جهابذة العلماء كسفيان ابن عيينة وأبو خيثمة مصعب بن سعيد وأبو بكر بن عياش وسلمة بن شبيب النيسابوري وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي و أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وشيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء نجد وغيرهم الكثير .. وهي: من لم يكفر الكافر فقد كفر. بل نقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الإجماع عليها، حيث قال رحمه الله: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفَرَ إجماعًا. أهـ [الرسائل الشخصية ص 213] [2]

(1) وأقوال العلماء في هذا الأمر كثيرة.

(2) إن مرجئة العصر يتهموننا بتكفير المجتمعات؛ فيقولون أننا نتسلسل في التكفير إلى أن نكفر أنفسنا! فيزعمون أننا نقول: الحكام كفار، ومن لم يكفرهم أو شك في كفرهم فقد كفر، ومن لم يكفر من لم يكفر الحكام أو شك في كفرهم فقد كفر، ومن لم يكفر من لم يكفر من لم يكفر الحكام أو شك في كفرهم فقد كفر، ... إلخ!

وهذا ظلم بين لا ينطلي إلا على أفراخهم الأغرار، ولكي لا تبقى هذه الشبهة عائمة في أفكار بعض أهل الخير ارتأينا أن نختصر المسألة فيما يلي:

1 -... من لم يكفر من نص الوحي على تكفيره بعينه فهو كافر.

فمن لم يكفر إبليس أو فرعون أو هامان أو أبا لهب أو أبا جهل أو أبا طالب أو غيرهم ممن جاء تكفيرهم في القرآن أو السنة فهو كافر لأنه رد على الوحي وكذبه. وهذا أمر ظاهر بين لا يخالف فيه إلا من طمس الله على بصيرته. قال الشيخ أبو بصير الطرطوسي حفظه الله: والعلة في كفره، أن الذي لا يكفر الكافر يكون قد سمى الأشياء بغير مسمياتها الشرعية، وحكم عليها بخلاف حكم الله تعالى، حيث جعل من الكفر والشرك إسلامًا وإيمانًا ومن الكفار والمشركين الذين يستحقون المعاداة مسلمين مؤمنين يستحقون الموالاة والجنة، وهذا منه تعقيب على الله تعالى ورد لحكمه، وتكذيب وجحود لما أمر الله به وإن لم يسمه هو تكذيبًا وجحودًا. أهـ [قواعد في التكفير ص 307]

ولما سُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن رجل يقول:"إن إبليس لم يكفر". حكم بكفر صاحب هذه المقولة، واستدل بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34] وبقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [ص: 73 - 74]

2 -... من لم يكفر الكافر الأصلي كاليهودي والنصراني والمجوسي ونحوهم فهو كافر.

قال القاضي عياض بعد أن نقل في الشفا (2/ 280 - 281) عن الجاحظ وثمامة زعمهم؛ أن كثيرًا من العامة والنساء والبله ومقلّدة اليهود والنصارى وغيرهم؛ لا حجة لله عليهم، إذ لم يكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال: ( ... وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك، قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن توقف في ذلك فقد كذّب النص والتوقيف أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه، لا يقع إلا من كافر. أهـ

وقال أيضًا رحمه الله (2/ 286) : (ولهذا نُكفّر من لا يُكفّر من دان بغير ملّة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحّح مذهبهم، وإن أظهر بعد ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك) أهـ.

وقال الشيخ أبو بطين: وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال. أهـ [الدرر السنية 12/ 69]

3 -... من لم يكفر من أجمع العلماء على تكفيره بعينه فهو كافر.

قال الحافظ السخاوي في (القول المُنبي عن ترجمة ابن العربي) : ( .. وقد قال ابن المقري في الردة من كتاب"الروض"مختصر"الروضة"؛ من تردد في تكفير اليهود والنصارى وابن عربي وطائفته فهو كافر) أهـ. نقلا عن شرح نونية ابن القيم (1/ 166) ، وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) . وأنظر الدرر السنية في الأجوبة النجدية 9/ 423.

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وأما كلام الشافعية، فقال صاحب الروض رحمه الله: إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر، وقال أيضًا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. أهـ [الدرر السنية 9/ 423]

وهاك أيها القارئ هذا المثال التوضيحي: قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله في ترجمة الحجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي: .. وكفّره جماعة منهم: سعيد بن جُبير، والنخعي، ومجاهد، وعاصم بن أبي النجود، والشعبي، وغيرهم. أهـ [تهذيب التهذيب في رجال الحديث 1/ 673 - 674]

وتأمل في قول الإمام طاووس حين قال: عجبًا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنًا. أهـ فمع أن طاووس يذهب إلى كفر الحجاج إلا أنه لم يكفر من لم يكفره، وسماهم"إخواننا"وما ذاك إلا لأن الحجاج لم يُجمع على تكفيره، فتأمل.

4 -... من تبين له بالأدلة الشرعية كفر فلان من الناس بعينه ثم توقف عن تكفيره فهو كافر.

قال أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (264هـ) : من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر. أهـ

وقال مثله تماما أيضًا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (277هـ) وروى ذلك كله اللالكائي في السنة (2/ 176) .

وقال حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ سليمان في رسالته"أوثق عرى الإيمان": إن كان شاكًا في كفرهم أو جاهلًا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر، وإن كان يقول: أقول غيرهم كفار ولا أقول هم كفار، وبهذا حكم منه بإسلامهم، إذ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونوا كفارًا فهم مسلمون وحينئذ فمن سمى الكفر إسلامًا أو سمى الكفار مسلمين فهو كافر، فيكون هذا كافر. أهـ

وقال شيخنا المراكشي نظمًا:

ورغم ما قُلتُ من التحذيرِ ... لا ينبغي الوُقوفُ في التكفيرِ

إذا بَدَا الكفرُ جَلِيًّا وظَهرْ ... منْ لمْ يُكَفِّرْ كافرًا فقدْ كَفَرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت