فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 37

وأمثال هؤلاء الذين ساروا على درب أسلافهم في المروق من قبل حيث تركوا أهل الأوثان، ونصبوا العداء لأهل الإسلام هم اخطر على المجتمع الإسلامي من المنافق المستتر لأن هؤلاء يظنون أنهم على الحق وانهم يحسنون صنعا، ويتكلمون بالآية والحديث وهم أعظم ستار لأهل النفاق والشر الذين يريدون هدم الإسلام، فالمنافقون يستترون بأمثال هؤلاء الأغرار الذين لا يفقهون حكمة ولا دعوة ويقرأون القرآن دون فهم وتدبر يأخذون منه ما شاءوا دون إن يكون لهم سلف في الترك وإنما بما تمليه عليهم أهواؤهم المريضة، وعصبيتهم البغيضة. وهؤلاء تجدهم يميلون إلى الشدة في كل شيء فالمستحب عندهم واجب، والمباح عندهم إثم ومعصية والرخصة جريمة وتهاون، واللين مداهنة والسكوت عن بعض الحق اتقاء الفتنة عندهم نفاق. وهكذا جعلوا دين الله بلاء على الناس وشرا بل جعلوا دين الله لا يصلح إلا لمن ترك الحياة كلها والمجتمع كله وخرج إلى البراري والقفار يرعى غنيمات وأما الاختلاط بالناس ففتنة عندهم والعمل في الحكومات كفر ومعصية، والتعلم في المدارس جريمة واستعمال النقود إثم لان عليها صورة. والسفر إلى بلاد الكفار جريمة عندهم ما بعدها جريمة. وويل لك ثم ويل إن حملت جواز سفر أو رخصة قيادة لأن ذلك إثم ومعصية إذ كيف تحمل صنما في جيبك؟ والتلفزيون رجس من عمل الشيطان لأن فيه أصنام .. انظر، والصحيفة أشد لعنة من التلفزيون لأن فيها أصناما كذلك وويل لك ثم ويل إن تعلمت الجغرافيا والفيزياء والكيمياء لأنها من علوم الكفار وفي دين هؤلاء يجب عليك أن تنتظر الدجال ولا تأخذ عدة الحرب العصرية لقتال كفار زماننا بمثل سلاحهم، لأن التوصل إلى هذا السلاح لا يمكن إلا بتعلم علوم الكفار، ومادامت علوم الكفار حرام ولا يجوز لنا اقتراف الحرام فإذن لا يجب علينا امتلاك أسلحة العصر بل يجب أن ننتظر حتى تهلك هذه الحضارة ويعود الناس إلى السيف لنحارب الكفار وننتصر على الدجال .. الخ.

كل هذه الأفكار التي هي أشبه بأفكار الحمقى والمجانين تشكل اليوم أسلوبا لفهم الدين طلع به علينا من يزعم نصر الدين وإقامة ملة إبراهيم في الأرض وما درى هؤلاء أن هذه الأفكار هي أمثل طريقة لهدم الدين والقضاء عليه. ومثل هذه الأفكار أيضًا من احتقار العلم ووضعه عند غير أهله أن نناقشها بالدليل والبرهان لأنها لا تستقيم عند بداهة العقول، وإذا كان هناك من يجادل في البديهيات والمسلمات فإن إثبات هذا بالبرهان لا يفيد.

هذه -أخي القارئ- الفئة الثانية من الفئات التي خالفت أصل الولاء وهي تخرج على المسلمين الفينة والفينة بمثل هذه الخزعبلات. فما أشبه حمقى هذه الأيام بالحمقى السابقين الذين قالوا لعلي بن أبي طالب: كيف تحكم الرجال في القرآن؟ لا حكم إلا لله. فوضع علي المصحف أمامهم وقال: احكم بيننا يا قرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت