ومن الأمور التي لا تنقض أصل البراءة من الكفار أيضا مجاملة الكافر المعاهد والذمي والمستأمن والإحسان إليه والأصل في هذا هو قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة:8) ويدخل في البر بهم عيادة مرضاهم، واتباع جنائزهم، وقبول هداياهم والإهداء لهم، وتهنئتهم في الأفراح، وتعزيتهم في الأحزان ومساعدة فقرائهم والمحتاجين منهم وزيارتهم في منازلهم، وقبول دعوتهم، والدعاء لهم بالهداية، ونحو ذلك وهذا مما أجمع عليه المسلمون ولا مخالف لذلك ممن لهم رأي يعتد به.
ويدل لذلك ما يأتي:-
(أ) الدعاء بالهداية لهم:
وهذا حتى لو كانوا محاربين أيضا وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لطوائف كثيرة من الكفار ليهديهم الله: كما جاء في مسلم أنه قال: [اللهم اهد أم أبي هريرة] (مسلم وأحمد) وذلك عندما طلب أبو هريرة من الرسول أن يدعو الله لأمه الكافرة كي تسلم، ولذلك جاء في البخاري عن أبي هريرة قال: قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله فقال الطفيل: يا رسول الله، إن دوسًا قد كفرت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، فقال صلى الله عليه وسلم: [اللهم اهد دوسًا وائت بهم] (البخاري ومسلم وأحمد) ودوس قبيلة أبي هريرة. وجاء في الترمذي وأحمد أن رسول الله دعا لثقيف فقال: [اللهم اهد ثقيفًا] ، وكانوا قد تحصنوا منه بعد فتح مكة في ديارهم وامتنعوا من المسلمين ولم يستطع المسلمون فتح الطائف، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهديهم، فأسلموا وقدموا المدينة، وفي كل هذا استحباب الدعاء للمعاندين من الكفار لعل الله يهديهم.
(ب) الإهداء لهم وقبول هداياهم:
وقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إلى عمر بن الخطاب حلة من حرير فقال: يا رسول الله تكرهها وترسلها لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: [أني لم أرسلها لك لتلبسها ولكن البسها بعض نسائك] فأهداها عمر بن الخطاب لأخ له مشرك بمكة. وهذا دليل واضح أيضا على أنه يجوز الإهداء للكفار ما لا يحل لبسه للمسلمين كالحرير وكذلك قبل رسول الله هدايا المقوقس (ابن خزيمة وأبو نعيم) ، وقبل الشاة المصلية من اليهودية في خيبر (البخاري وغيره عن أنس) .
(ج) عيادة مرضاهم:
وقد روي البخاري عن أنس رضي الله عنه أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده: فقعد عند رأسه فقال له: [أسلم] فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: [الحمد الله الذي أنقذه من النار] . وروي البخاري أيضًا تعليقًا جازمًا به إلى سعيد بن المسيب عن أبيه انه قال: [لما حُضِر أبو طالب جاءه النبي صلى الله عليه وسلم] وهذا مشهور في قصة عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على أبي طالب في مرض موته وقول عمرو بن هشام له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فمات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب. والشاهد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد المشركين واليهود.
د- التصدق عليهم والإحسان لهم: