الصفحة 35 من 148

قال ابن القيم في الطبقات الطبقة الخامسة عشرة طبقة الزنادقة وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل وأبطنوا الكفر ومعاداةالله ورسله وهؤلاء المنافقون وهم في الدرك الأسفل من النار قال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) فالكفار والمجاهرون بكفرهم أخف وهم فوقهم في دركات النار لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب بالكذب والنفاق وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين ولهذا قال تعالى في حقهم (هم العدو فاحذرهم) ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر أي لا عدو إلا هم ولكن لم يرد ها هنا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم وهم في الباطن على خلاف دينهم أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحا ومساءا يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر فلهذا قيل (هم العدو فاحذرهم) لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين ونظير ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه) فليس هذا نفيا لاسم المسكين عن الطواف بل إخبار بأن هذا القانع الذي لا يسمونه مسكينا أحق بهذا الاسم من الطواف الذي يسمونه مسكينا ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب) ليس نفيا للاسم عن الصرعة ولكن إخبار بأن من يملك نفسه عن الغضب أحق منه بهذا الاسم ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (ما تعدون المفلس فيكم ... الحديث) .

والمقصود هذه الطبقة أشقى الأشقياء ولهذا يستهزأ بهم في الآخرة وتعطى نورا يتوسطون به على الصراط ثم يطفىء الله نورهم ويقال لهم (ارجعو وراءكم فالتمسوا نورا) ويضرب بينهم وبين المؤمنين (بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور) وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاء أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداء اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان لما لم يباشره البعداء ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرا وأخبث قلوبا وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين ولهذا قال تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) ... وقال تعالى فيهم (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) وقال تعالى في الكفار (صم بكم عمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت