الصفحة 89 من 148

ذلك قوله سبحانه (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر) الاية وقوله تعالى في موضع اخر (جاهد الكفار والمنافقين) قال الحسن وقتادة باقامة الحدود عليهم وقال ابن مسعود رضي الله عنه بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وعن ابن عباس وابن جريج باللسان وتغليظ الكلام وترك الرفق ووجه الدليل ان الله امر رسوله بجهاد المنافقين كما امره بجهاد الكافرين ومعلوم ان جهادهم انما يمكن اذا ظهر منهم من القول او الفعل ما يوجب العقوبة فانه ما لم يظهر منه شيء البته لم يكن لنا سبيل عليه فاذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل وذلك يقتضي ان لا يسقط عنه بتجديد الاسلام له ظاهرا لانا لو اسقطنا عنهم القتل بما اظهروه من الاسلام لكانوا بمنزلة الكفار وكان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون والاية تقتضي جهادهم لانهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى (جاهد الكفار والمنافقين) يقتضي جهادهم من حيث هم منافقون لان تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على ان موضع الاشتقاق هو العلة فيجب ان يجاهد لاجل النفاق كما يجاهد الكافر لاجل الكفر.

ومعلوم ان الكافر اذا اظهر التوبة من الكفر كان تركا له في الظاهر ولا يعلم ما يخالفه اما المنافق فاذا اظهر الاسلام لم يكن تركا للنفاق لان ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق ولان المنافق اذا كان جهاده باقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض وهو الزاني اذا زنى لم يسقط عنه حده اذا اظهر التوبة بعد اخذه لاقامة الحد عليه كما عرفت ولانه لو قبلت علانيتهم دائما مع ثبوت ضدها عنهم لم يكن الى الجهاد على النفاق سبيل فإن المنافق اذا ثبت عنه انه اظهر الكفر فلو كان اظهار الاسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده ويدل على ذلك قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا ملعونين اينما ثقفوا اخذو وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل) دلت هذه الاية على ان المنافقين اذا لم ينتهوا فان الله يغري نبيه بهم وانهم لا يجاورونه بعد الاغراء بهم الا قليلا وان ذلك في حال كونهم ملعونين اينما وجدوا واصيبوا اسروا وقتلوا وانما يكون ذلك اذا اظهروا النفاق لانه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم وكذلك قال الحسن اراد المنافقون ان يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فاوعدهم الله في هذه الاية فكتموه واسروه وقال قتادة ذكر لنا ان المنافقين ارادوا ان يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فاوعدهم الله في هذه الاية فكتموه ولو كان اظهار التوبة بعد اظهار النفاق مقبولا لم يمكن اخذ المنافق ولاقتله لتمكنه من اظهار التوبة لا سيما اذا كان كلما شاء اظهر النفاق ثم اظهر التوبة وهي مقبولة منه يؤيد ذلك ان الله تبارك وتعالى جعل جزاءهم ان يقتلوا ولم يجعل جزاءهم ان يقاتلوا ولم يستثن حال التوبة كما استثناء من قتل المحاربين وقتل المشركين فانه قال (فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا واقاموا الصلاة واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وقال في المحاربين (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت