الصفحة 96 من 148

سرائرهم الى الله، فاذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه، ولهذا قال أني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة ولما استؤذن أيضا في قتل رجل من المنافقين قال أليس يشهد أن لا إله الا الله قيل بلى قال أليس يصلي قيل بلى قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم فأخبر أنه نهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين والصلاة وإن زن بالنفاق ورمي به وظهرت عليه دلالته إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر الكفر وكذلك قوله في الحديث الآخر أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله معناه أني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام وأكل بواطنه الى الله والزنديق والمنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر وقامت عليه بذلك بينة وهذا حكم بالظاهر لا بالباطن وبهذا الجواب يظهر فقه المسألة.

الوجه الثاني: أنه كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم وقد بين ذلك حيث قال (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وقال إذا ترعد له أنف كثيرة بيثرب فأنه لو قتلهم بما يعلمه من كفرهم لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض وأحقاد وإنما قصده الاستعانة بهم على الملك كما قال أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم وأن يخاف من يريد الدخول في الإسلام أن يقتل مع إظهاره الإسلام كما قتل غيره، وقد كان أيضا يغصب لقتل بعضهم قبيلته وناس آخرون ويكون ذلك سببا للفتنة، واعتبر ذلك بما جرى في قصة عبد الله بن أبي لما عرض سعد بن معاذ بقتله خاصم له أناس صالحون وأخذتهم الحمية حتى سكتهم رسول الله وقد بين ذلك رسول الله لما استأذنه عمر في قتل ابن أبي قال أصحابنا ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك كففناعن القتل.

وقال أيضا فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام أو لعدم امكان اقامته الا مع تنفير اقوام عن الدخول في الاسلام وارتداد اخرين عنه واظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق وهذان المعنيان حكمهما باق الى يومنا هذا إلا في شيء واحد وهو أنه ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم، والذي يبين حقيقة الجواب الثاني أن النبي لما كان بمكة مستضعفا هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبرعلى أذى المشركين فلما هاجروا الى المدينة وصار له دار عز ومنعة أمرهم بالجهاد وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل كافر ومنافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب إذ رأوا أن بعض من دخل فيه يقتل وفي مثل هذه الحال نزل قوله تعالى (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) وهذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرين والمنافقين له فلا يكافئهم عليه لما يتولد في مكافأتهم من الفتنة ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة ودخلت العرب في دين الله قاطبة ثم أخذ النبي في غزو الروم وأنزل الله تبارك وتعالى سورة براءة وكمل شرائع الدين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف فكان كمال الدين حين نزل قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت