تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشهر ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها (ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم) وذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحد ولم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمد يقتل أصحابه فامره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم، وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية ونحوها، وقال في الأحزاب (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورنك فيها الا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا) الآية فعلم أنهم كانوا يفعلون أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها قتلوا عليها في المستقبل لما أعز الله دينه ونصر رسوله فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من أقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية (دع أذاهم) كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله جاهد الكفار والمنافقين فهذا يبين ان الامساك عن قتل من اظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسول الله اذ لا نسخ بعده ولم ندع ان الحكم تغير بعده لتغير المصلحة من غير وحي نزل فإن هذا تصرف في الشريعة وتحويل لها بالرأي ودعوى أن الحكم المطلق كان لمعنى وقد زال وهو غير جائز كما قد نسبوا ذلك الى من قال أن حكم المؤلفة انقطع ولم يأت على انقطاعه بكتاب ولا سنة سوى ادعاء تغير المصلحة. الى أن قال: ويدل على المسألة ما روى أبو إدريس قال أتى على رضي الله عنه بأناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة العدول قال فقتلهم ولم يستتبهم وقال وأتى برجل كان نصرانيا وأسلم ثم رجع عن الإسلام قال فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه فقيل له كيف تستتيب هذا ولم تستتب أولئك قال ان هذا اقر بما كان منه وان اولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة فلذلك لم استتبهم رواه الإمام أحمد وروى الأثرم عن أبي إدريس قال أتى علي برجل قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله، وأتى برهط يصلون القبلة وهم زنادقة وقد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم، ثم قال أتدرون لم استتبت هذا النصراني؟ استتبته لأنه أظهر دينه وأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة وجحدوني فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقامت عليهم البينة، فهذا من أمير المؤمنين على رضي الله عنه بيان أن كل زنديق كتم زندقته وجحدها حتى قامت عليه البينة قتل ولم يستتب وأن النبي لم يقتل من جحد زندقته من المنافقين لعدم قيام البينة، ويدل على ذلك قوله تعالى (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة) الى قوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) فعلم أن من لم يعترف بذنبه كان من المنافقين ولهذا الحديث قال الإمام أحمد في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد ليست له توبة إنما التوبة لمن اعترف فأما من جحدها فلا توبة له، قال القاضي أبو يعلي وغيره وإذا اعترف بالزندقة ثم تاب قبلت توبته لأنه باعترافه يخرج عن حد الزندقة لأن الزنديق هو الذي يستبطن الكفر وينكره ولا يظهره فإذا اعترف به ثم تاب خرج عن حده، فلهذا قبلنا توبته ولهذا لم يقبل علي رضي الله عنه توبة الزنادقة لما