الصفحة 98 من 148

جحدوا، وقد يستدل على المسألة بقوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) الآية، وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي العالية في قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهاله ثم يتوبون من قريب) قال هذه في أهل الإيمان (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) قال هذه في أهل النفاق ولا الذين يموتون وهم كفار قال هذه في أهل الشرك هذا.

إلى أن قال: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها الآية فوجه الدلالة ان عقوبة الامم الخالية بمنزلة السيف للمنافقين ثم اولئك اذا تابوا بعد معاينة العذاب لم ينفعهم فكذلك المنافق ومن قال هذا فرق بينه وبين الحربي بانا لانقاتله عقوبة على كفره بل نقاتله ليسلم فاذا اسلم فقد اتى بالمقصود والمنافق إنما يقاتل عقوبة لا ليسلم فانه لم يزل مسلما والعقوبات لا تسقط بالتوبة بعد مجئ الباس وهذا كعقوبات سائر العصاة فهذه طريقة من يقتل الساب لكونه منافقا، وفيه طريقة أخرى وهي أن سب النبي بنفسه موجب للقتل مع قطع النظر عن كونه مجرد ردة فإنا قد بينا أنه موجب للقتل وبينا أنه جناية غير الكفر إذ لو كان ردة محضة وتبديلا للدين وتركا له لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم العفو عمن كان يؤذيه كما لا يجوز العفو عن المرتد ولضمَا قتل الذين سبوه، وقد عفا عمن قاتل وحارب.

الى أن قال: ولهذا لم نعلم خلافا يعتمد في أن السارق أو الزاني لو أظهر التوبة بعد ثبوت الحد عليه عند السلطان لم يسقط الحد عنه وقد رجم النبي ماعزا والغامدية وأخبر بحسن توبتهما وحسن مصيرهما.

الى أن قال بخلاف الردة المجردة عن الدين فإن سقوط القتل فيها بالعود الى الاسلام لا يوجب اجتراء الناس على الردة اذ الانتقال عن الدين عسير لا يقع الا عن شبهة قادحة في القلب او شهوة قامعة للعقل فلا يكون قبول التوبة من المرتد مجريا للنفوس على الردة ويكون ما يتوقعه من خوف القتل زاجرا له عن الكفر فانه اذا اظهر ذلك لا يتم مقصوده لعلمه بانه يجبر على العود الى الاسلام وهنا من فيه استخفاف او اجتراء او سفاهة يتمكن من انتقاص النبي وعيبه والطعن عليه كلما شاء ثم يجدد الاسلام ويظهر التوبة وبهذا يظهر ان السب والشتم يشبه الفساد في الارض الذي يوجب الحد اللازم من الزنى وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر فان مريد هذه المعاصي اذا علم انه تسقط عنه العقوبة اذا تاب فعلها كلما شاء كذلك من يدعوه ضعف عقله او ضعف دينه الى الانتقاص برسول الله اذا علم ان التوبة تقبل منه اتى ذلك متى شاء ثم تاب منه وقد حصل مقصوده بما قاله كما حصل مقصود اولئك بما فعلوه بخلاف مريد الردة فان مقصوده لا يحصل الا بالمقام عليها وذلك لا يحصل له اذا قتل ان لم يرجع فيكون ذلك وازعا.

وقال في الصارم المسلول 3/ 879 وفي بعض التفاسير ان المحكي عنه هذه الكلمة الجلاس بن سويد اعترف بانه قالها وتاب من ذلك من غير بينه قامت عليه فقبل رسول الله ذلك منه وهذا كله دلالة واضحة على ان التوبة من مثل هذا مقبولة وهي توبة من لم يثبت عليه نفاق وهذا لا خلاف فيه اذا تاب فيما بينه وبين الله سرا كما نافق سرا انه تقبل توبته ولو جاء مظهرا لنفاقه المتقدم ولتوبته منه من غير ان تقوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت