الصفحة 24 من 82

والإحسان وكيف أن جبريل عليه السلام وضح تلك الحقائق عن طريق السؤال والتصديق بطريقة علمية معينة ترسخ المعاني في الأذهان، فقد روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال"بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملاكئته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت: قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال ثم انطلق فلبثت مليًا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل، قلت الله ورسوله أعلم، قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" [1] .

وقصة عدي بن حاتم رضي الله عنه التي فيها إيضاح جانب مهم من جوانب العبادة قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب قال فسمعته يقول (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) [2] ، قال قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم". [3]

فإن الرسول صلى الله عليه بيّن لعدي شمول العبادة لمثل هذه الحالة وهي المتابعة في التحليل والتحريم والذي تصرف له العبادة إنما هو الرب وحده، ولذا جاز في الآية أن يطلق على الأحبار والرهبان بأنهم أرباب للذين يصرفون لهم الطاعة ويتابعونهم في تشريعاتهم التي لم يأذن الله بها.

إن حقائق المسميات العقدية المأمور بها كالإيمان والإسلام والدين والعبادة والتقوى والبر والمنهي عنها كالكفر والشرك والنفاق والطاغوت والفسق والظلم يمكن تحديد مدلولاتها عن طريق العلم العميق والفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة فإن الكتاب والسنة قد حوت

(1) مسلم مع النووي 1/ 157.

(2) التوبة: 31.

(3) سنن البيهقي 10/ 116، والحيث ذكره الدوسري في النهج برقم 92، وذكر من خرجه ومن ضعفه، وذكر أن الشيخ الألباني حسنه في غاية المرام (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت