الصفحة 25 من 82

كل خير، يقول ابن تيمية"ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ... فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه."

وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها فذاك من جنس علم البيان وتعليل الأحكام هو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا. واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن المراد بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلا الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شاف كاف [1] .

ولإدراك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الحقيقة العظيمة كان اهتمامهم بجمع القرآن وجمع السنة اهتمامًا عظيمًا لأن من حفظ نصوصهما وعرف تفسيرهما حاز العلم كله، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ

(1) مجموع الفتاوى 7/ 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت