فهذه القضية الكبيرة المتعلقة بحق لا إله إلا الله ومتى يعصم بها الدم التي أشكلت على عمر بن الخطاب في أول الأمر اجتهد أبو بكر الصديق في استنباط حكمها عن طريق النظر، وكان استنباطًا موفقًا اقتنع به عمر بن الخطاب لما فيه من العلم المتين، وهذا الاستنباط وافق نص الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يستحضره أبو بكر ولا عمر عند حصول المناظرة. يقول ابن حجر"ٌقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اله"كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم"من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه حرم دمه وماله"وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر"... حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"ونحوه في حديث أبي العنبس، وفي حديث أنس عن أبي داود"... حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا ويصلوا صلاتنا"وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن"... حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ويؤمنوا بي وبما جئت به"، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة حيث قال فيها ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئًا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعي إليه فامتنع ونصب القتال به إنه يجب قتاله وقتله إذا أصر" [1] ، ويقول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [2] ."
ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته ونبه بأعلاها على أدناها فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق الله عز وجل وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج [3] . قلت وقد سار البخاري في صحيحه على هذا الفهم الذي وضحه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فعقد بابًا في كتاب الإيمان بعنوان (باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"
(1) المصدر السابق.
(2) التوبة: 5.
(3) ابن كثير 4/ 54.