ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب"والطاغوت عام فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت" [1] . وقال في مسائل الباب الأول من كتاب التوحيد: المسألة الثامنة أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله" [2] ."
ومما تقدم يتضح أنه لا تعارض بين تفاسير العلماء للطاغوت، وإن اختلفت عباراتهم فإن مردة أهل الكتاب المغيرين لأحكام الله والسحرة والشياطين والكهان والأصنام كلها تدخل تحت مسمى ما عبد من دون الله، ولكن من عادة السلف أنهم يفسرون الشيء أحيانًا بصفة من صفاته أو يفسرونه ببعض أنواعه، ولذا فالخلاف الذي يحصل بينهم إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، يقول ابن تيمية"... الصنف الثاني أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز فأري رغيفًا وقيل له هذا فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده، مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) [3] ، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فالمقتصدون هم أصحاب اليمين (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [4] ، ثم إن كلاّ منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الإصفرار، أو يقول السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة فإنه ذكر المحسن بالصدقة والظالم يأكل الربا والعادل بالبيع .. فكل قول فيه ذكر نوع دخل في الآية ذكر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق، والعاقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فيقال هذا هو الخبز" [5] .
(1) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول- العقيدة ص377.
(2) فتح المجيد 34.
(3) فاطر: 32.
(4) الواقعة: 10 - 11.
(5) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص43.