وإذا تبين أن تفسير العلماء للطاغوت ببعض أنواعه لا يدل على الحصر وإنما من باب التفسير بالمثال أو باب التنصيص على بعض أفراد العام لمعنى خاص فيه فقد صرح جمع من العلماء بتفسير الطاغوت بالتفسير العام وهو أنه كل ما عبد من دون الله تعالى، وقد تقدم التفسير بالعموم عن الإمام مالك وعن أبي إسحاق وعن شيخ المفسرين ابن جرير الطبري وعن ابن عطية وعن النووي وعن ابن القيم وعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ومما يدل على أن مسمى الطاغوت شامل لكل ما عبد من دون الله قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [1] ، فإن الرسل جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم قد اتفقوا على دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله وتحذيرهم من صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله وأمروهم باجتناب ذلك، فإذا كان الشيء الذي اتفق الرسل على الأمر باجتنابه هو الطاغوت دل على أن ما عبد من دون الله هو الطاغوت لأنه هو الشيء الذي اتفق الرسل على الأمر باجتنابه ولو كان مسمى الطاغوت خاصًا ببعض المعبودات من دون الله لكان هناك معبودات من دون الله لم يأمر الرسل صلوات الله عليهم باجتنابها والحال أن الرسل قد اتفقوا على التحذير من جميع المعبودات من دون الله وأمروا باجتنابها، والأدلة على هذا لا تكاد تحصى ومنها قوله تبارك وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [2] ، وقوله عز وجل (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) [3] ، وقوله سبحانه (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) [4] ، وقال سبحانه (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ، بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) [5] .
فكل هذه الآيات الكريمات تدل على أن الرسل اتفقوا على التحذير من اتخاذ آلهة مع الله وأنه يجب على العبد أن يجتنب كل آلهة تعبد من دون الله، ومنطوق آية النحل (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [6] تدل على أنهم اتفقوا على التحذير من الطاغوت وأمروا باجتنابه فدل على أن القضية المتفق على التحذير منها واحدة
(1) النحل: 36.
(2) الأنبياء 25.
(3) الزخرف: 45.
(4) النحل: 2.
(5) الصافات: 35 - 37.
(6) النحل: 36.