وهذه القضية تسمى عبادة غير الله وتسمى الطاغوت، فهما اسمان لمسمى واحد، والحقيقة واحدة وتسمى أيضًا الشرك فمن عبد غير الله يكون مشركًا في العبادة ويكون معبوده الذي أشرك به طاغوتًا فهو عابد للطاغوت كما يقول سبحانه (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّانَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ، وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُونَ) [1] .
فهذه الآيات عامة في كل الأمم التي لم تخلص العبادة لله بدليل قوله تعالى (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) فذكر المرسلين بصيغة الجمع فدل على أن من لم يستجب للمرسلين يكون قد اتخذ شركاء، وهذا الاتخاذ هو عبادة غير الله وهو عبادة الطاغوت وهو الشرك بالله.
ومثل الآيات السابقة قوله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ) [2] .
فهذا حشر لأهل الأرض كلهم من إنس وجن والناس فريقان مسلم ومشرك وعابد الطاغوت داخل تحت اسم المشرك قطعًا وهو الذي يوجه إليه الخطاب فيقال مكانكم أنتم وشركاؤكم [3] .
وما دل عليه القرآن الكريم من أن مسمى الطاغوت شامل لكل ما عبد من دون الله وأن الأنبياء جميعًا جاءوا بالتحذير من عبادة الطاغوت وجاءوا بإخلاص العبادة لله دلت عليه السنة الصحيحة أيضًا كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد [4] . قال ابن حجر والأنبياء أخوة لعلات والعلات بفتح المهملة الضرائر وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها والعلل الشرب بعد الشرب وأولاد العلات الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وقد بينه في رواية عبد الرحمن فقال أمهاتهم شتى ودينهم"
(1) القصص: 62 - 66.
(2) يونس: 28 - 29.
(3) انظر تفسير ابن كثير 4/ 200.
(4) صحيح البخاري مع الفتح 6/ 354.