الصفحة 44 من 82

وما وجه عطفه على غيره في كلام بعض أهل العلم كما عقد البخاري في صحيحه بابًا بعنوان (باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت) [1] والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا العطف في حديث أبي هريرة المقدم إنما هو من باب عطف العام على الخاص لغرض أراده المتكلم من إفراده الخاص بالذكر قبل ذكر العام، وهذا أسلوب بلاغي فصيح جاء في القرآن الكريم كما في قوله سبحانه (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [2] ، وقوله عز وجل (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [3] .

وقد أشار إلى غرض التنصيص على ذكر الشمس والقمر في حديث أبي هريرة مع دخولهما في مسمى ما عبد من دون الله، ابن أبي جمرة فقال"أنه لعظم خلقهما" [4] ، ولهذا الغرض نص عليهما في قوله سبحانه (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [5] ، مع أن السجود لا يجوز لأحد من الخلق، وأما عطف البخاري كلمة الطواغيت على اللات والعزى مع أن اللات والعزى داخلة في مسمى الطواغيت فذلك لصناعة حديثية معيّنة يعرفها من تأمل تبويبات البخاري في صحيحه وذلك أن البخاري أورد تحت هذه الترجمة حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ... الحديث"فليس في الحديث لفظ الطواغيت وإنما جاء النهي عن الحلف بالطواغيت في صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" [6] . فاحتاج البخاري إلى أن يعطف كلمة الطواغيت وهي عامة على اللات والعزى وهي خاصة وداخلة في مسمى الطواغيت للإشارة إلى الحديث الذي صح في النهي عن الحلف بالطواغيت، ولكنه ليس على شرطه، ومن عادته رحمه الله أنه يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤيد معناه [7] .

(1) انظر الصحيح مع الفتح 11/ 467.

(2) نوح: 28.

(3) الحجر: 87.

(4) انظر الفتح 11/ 389.

(5) فصلت: 37.

(6) مسلم مع النووي 11/ 108.

(7) انظر مقدمة المتواري على تراجم أبواب البخاري، ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت