ويخضع لها أصحابها ويتحاكمون إليها عند التنازع فإن هذه الدساتير هي مقولات بشرية مثل مقولة الكهان أو كعب بن الأشرف أو حييّ بن أخطب التي وصف الله المتحاكمين إليها بأنهم يتحاكمون إلى الطاغوت وأن إيمانهم من باب الزعم وليس من باب الحقيقة كما قال سبحانه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) [1] .
وكذلك الذين يقدسون الأعراف والتقاليد ومقولات مشائخ القبائل ومقولات مشائخ الطرق ويرونها أصدق قيلًا من القرآن الكريم والحديث الصحيح، ويرون أن الرد إليها عند التنازع أفضل من الرد إلى الكتاب العزيز والسنة المشرفة فإنهم في الحقيقة إنما يؤمنون بالطاغوت وما يقدسونه من أعراف وتقاليد ومقولات إنما هي داخلة في مسمى الطاغوت لا ريب لأن كل ما يضاد لا إله إلا الله من الكفر والشرك إنما هو طاغوت ولا يسلم للعبد إيمان حتى يكفر بكل ما يضاد لا إله إلا الله من صور الشرك والكفر سواء أكانت هذه الصور شركًا بأشخاص أو أحجار أو مقولات لفظية أو إرادات قلبية كما تقدم في الأقسام الثلاثة قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [2] .
فلو أن صور الشرك إذا كانت بإرادات وأهواء واتباع مقولات ودساتير مدونة ومعظمة عند أصحابها لا تدخل في مسمى الطاغوت وقصر معنى الطاغوت على المعبودات من الجمادات والأحياء لجاز أن يقول أن المشركين الذين شركهم من هذه الحيثية إذا آمنوا بالله يعتبرون مستمسكين بالعروة الوثقى وهي شهادة أن لا إله إلا الله ويكونون من أهل الإسلام، وهذا مخالف للإجماع لأنه لا يجتمع الإيمان مع صور الشرك الأكبر مطلقًا [3] ، فاتضح أن صور الشرك الأكبر كلها داخلة في مسمى الطاغوت حتى تسلم دلالة الآية الكريمة. يقول ابن تيمية"... بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعادتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى كسوالف البادية وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر" [4] .
(1) النساء: 60.
(2) البقرة: 256.
(3) انظر نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجموعة التوحيد ص37.
(4) منهاج السنة 5/ 130.