فهرس الكتاب
قولها يلزم المشركين بخلع أوثانهم وتركها وبغضها والبراءة منها وعداوتها وعدم طاعتها أو طاعة سدنتها أو تعظيمها أو الشعور لها بأدنى احترام، وهذا ما جعل المشركين ينفضون ثيابهم ويقومون من مجلس أبي طالب، هذا لمن عرف معناها على حقيقته كما عرفها كفار قريش أهل الفصاحة والبلاغة.
ولذا فهم يمارسون عبادة الطاغوت بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم، فمن الأمثلة على عبادتهم للطاغوت بألسنتهم حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلكم قدْ قدْ فيقولون إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت [1] .
ومن الأمثلة على عبادتهم للطاغوت بجوارحهم الذبح للأصنام كما قال البخاري رحمه الله باب الفرع ... والفرع أول النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم [2] .. ومن الأمثلة على عبادتهم للطواغيت بقلوبهم حبهم لها حبًا شديدًا والحب من أعظم عبادات القلب وأهل الجاهلية يصرفون هذا الحب للطواغيت كما قال سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) [3] .
وإذا كانت عبادة المشركين للطواغيت بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم كما تقدم من عرض الأدلة على ذلك فإنه يظهر لنا جليًا معنى الكفر بالطاغوت وأنه لا بد أن يكون كفرًا به باللسان وكفرًا به بالجوارح وكفرًا به بالقلب. ولأن هذه القضية أصل في الإيمان بالله تبارك وتعالى نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بما يبغض المسلمين في الطواغيت وعابديها وينفرهم منها ومنهم حتى لا يبقى في قلوب المسلمين أدنى ميل نحو الطواغيت ومن تعلق بها، فها هو صلى الله عليه وسلم يبايع بعض من جاءه على زيال المشرك أي مفارقته [4] ، ويبايع على البراءة من الكفار كما في حديث جرير بن عبد الله قال قلت يا رسول الله اشترط علي فقال تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتنصح للمسلم وتبرأ من الكافر" [5] ."
(1) مسلم مع النووي 8/ 90، ومعنى قد قد أي كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدوا.
(2) صحيح البخاري 6/ 217.
(3) البقرة: 165.
(4) انظر مسند أحمد بن حنبل 4/ 14.
(5) مسند أحمد 4/ 357.