بل نهى صلى الله عليه وسلم عن مجرد المشابهة كقوله صلى الله عليه وسلم"من تشبه بقوم فهو منهم" [1] لأن مجرد المشابهة في لباس أو سلوك من غير حب القلب قد يكون وسيلة لحب القلب الذي يضاد الكفر بالطاغوت فنهى الإسلام عن هذه الوسيلة.
ولتأكيد بغض الكافر وإظهار ذله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لاتبدأوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق" [2] ، وكان من آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم إخراج المشركين من جزيرة العرب [3] ، وأعظم من هذا كله نفي الإيمان عمن يحب الكافرين ويوادهم كما قال سبحانه (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [4] ، وقال (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) [5] .
ونظرًا لأن إزالة معابد الجاهلية وشعائر الكفر مما يرسخ هذه القضية في قلوب المؤمنين، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر الأوثان كما في حديث عمرو بن عبسة السلمي"... قال قلت آلله أرسلك قال نعم قلت: بأي شيء أرسلك قال بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء وكسر الأوثان وصلة الرحم ..." [6] .
وكانت راحة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكسير معابد الجاهلية كما روى البخاري في صحيحه عن جرير رضي الله عنه قال لي النبي صلى الله عليه وسلم"ألا تريحني [7] من ذي الخلصة وكان بيتًا في خثعم يسمى الكعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس [8] وكانوا أصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا. فانطلق إليها فكسرها وحرقها ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول جرير والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات" [9] .
ولما سأل وفد ثقيف رسول الله أن يدع لهم الطاغية هي اللات لا يهدمها ثلاث سنين أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى وإنما يريدون ذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها [10] .
يقول ابن القيم في الفوائد المستنبطة من هذه القصة"ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة. وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته وكثير منه بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها" [11] ، قلت وهذا واضح من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فعن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال"دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" [12] .
ولذا يعتبر تشريع الجهاد باليد واللسان والمال والقلب من أعظم ما يبين معنى الكفر بالطاغوت لأن هدف الجهاد الأسمى هو إزالة الشرك وعبادة الطاغوت وإخضاع الناس لرب العالمين كما قال سبحانه (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) [13] ، وقال عز وجل (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) [14] ومعنى حتى لا تكون فتنة أي شرك كما فسرها بذلك الصحابة والتابعون [15] ، ويكون الدين لله أي يخلص له التوحيد ويعبد
(1) مسند أحمد 2/ 92، وصححه الألباني في الإرواء 5/ 109.
(2) الحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود 3/ 977.
(3) صحيح البخاري 4/ 31.
(4) المجادلة: 22.
(5) المائدة: 81.
(6) مسند أحمد 4/ 112.
(7) قال ابن حجر والمراد بالراحة راحة القلب وما كان شيء أتعب لقلب النبي صلى الله عليه وسلم من بقائه يشرك به من دون الله تعالى، انظر الفتح 7/ 56.
(8) أحمس أخوة بجيلة ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار.
(9) صحيح البخاري 5/ 112.
(10) زاد المعاد 3/ 499.
(11) المصدر السابق 3/ 506.
(12) صحيح البخاري 5/ 92.
(13) البقرة: 193.
(14) الأنفال: 39.
(15) انظر تفسير ابن كثير 1/ 329.