فهرس الكتاب
حوائجه، قال الله تعالى (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [1] ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما"سيدًا وإلهًا"يعني فكيف أطلب ربًا غيره وهو رب كل شيء. وقال في أول السورة (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ، يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجأ وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة، وقال في وسطها (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) [2] ، أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه، وهذا كتابه سيد الحكام فكيف نتحاكم إلى غير كتابه وقد أنزله مفصلًا مبينًا كافيًا شافيًا وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل رأيتها هي نفس الرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا" [3] ."
قلت ومن لم يرض لما دلت عليه لا إله إلا الله فإنه لا يقبلها ولا ينقاد لها ولا يتسخط عبادة غير الله التي هي عبادة الطاغوت، ومن لم يتسخط عبادة الطاغوت فإنه لم يكفر به ولم يتحقق له شرط القبول والانقياد فإن تسخط عبادة الطاغوت قبلت منه لا إله إلا الله، وبهذا يظهر كون الكفر بالطاغوت ركنًا مهمًا في الإيمان. ولا غرو أن يجعل الهروي هذا قطب رحى الإسلام الذي يُطهّر من الشرك الأكبر كما تقدم، وقد وافقه ابن القيم على هذا فقال"وقوله هو قطب رحى الإسلام يعني أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده وأن يسخط عبادة غيره"وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع الذل، فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له، وقوله وهو يطهّر من الشرك الأكبر يعني أن الشرك نوعان أكبر وأصغر، فهذا الرضى يطهر صاحبه من الأكبر" [4] ."
ويقول الهروي عن شروط صحة الرضى بالله ربًا"وهو يصح بثلاثة شروط أن يكون الله عز وجل أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة"، ويشرح ابن القيم كلام الهروي فيقول"... فالرضى به ربًا متعلق بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيته العامة والخاصة، فهو الرضى به خالقًا ومدبرًا وآمرًا وناهيًا وملكًا ومعطيًا ومانعًا وحكمًا ووكيلًا ووليًا وناصرًا ومعيناُ وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا ومبتليًا ومعافيًا وقابضًا وباسطًا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته ... وأيضًا فالرضى به ربًا يتضمن توحيده وعبادته، والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه والشكر على نعمه يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانًا وإن ساء عبده فالرضى به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله، والرضى بمحمد رسولًا يتضمن شهادة أن محمدًا رسول الله، والرضى بالإسلام دينًا يتضمن التزام عبوديته وطاعته رسوله فجمعت هذه الثلاثة الدين كله، وأيضًا فالرضى به ربًا يتضمن اتخاذه معبودًا دون سواه واتخاذه وليًا وإبطال عبادة كل ما سواه، وقال تعالى لرسوله (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) [5] ، وقال (أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) [6] ، وقال (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [7] . فهذا عين الرضا به ربًا [8] ."
وقال عليه رحمة الله"وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد أن لا يتخذ سواه ربًا ولا إلهًا ولا غيره حكمًا" [9] . فعلى هذا من لم يرض بالله ربًا فهو كافر بالله مؤمن بالطاغوت ومن لم يرض بالله إلهًا فهو كافر بالله مؤمن بالطاغوت، ومن لم يرض بالله حكمًا فهو كافر بالله مؤمن بالطاغوت لأنه قد فرط في أركان التوحيد والركن إذا فقد فقد الشيء.
ولذا جعل ابن القيم من لم يرض بتحكيم الله ورسوله في موارد النزاع ليس من المسلمين أصلًا فهو يقول"فالرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ولا اعتراض، قال الله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [10] ، فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يُحكموا رسوله وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه وحتى يسلموا لحكمه تسليما، وهذا حقيقة الرضى بحكمه، فالتحكيم في مقام الإسلام وانتفاء الحرج في مقام الإيمان والتسليم في مقام الإحسان" [11] . فقول ابن القيم"فالتحكيم في مقام الإسلام يدل على أنه يرى أن التحكيم إذا فُقِد عند إنسان بحيث لا يرضى بتحكيم الله ورسوله في شيء من شؤون حياته فإن الإسلام قد فقد عنده وهذا الذي قرره ابن القيم، تدل عليه آيات كثيرة في القرآن الكريم من أصرحها قوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وَإِذَا"
(1) الأنعام: 14.
(2) الأنعام: 114.
(3) مدارج السالكين: 2/ 181.
(4) المصدر السابق: 1/ 182.
(5) الأنعام: 114.
(6) الأنعام: 14.
(7) الأنعام: 164.
(8) مدارج السالكين 2/ 184.
(9) المصدر السابق 2/ 182.
(10) النساء: 65.
(11) مدارج السالكين 2/ 191.