الصفحة 40 من 130

وربما ينجح من لادين له ولا أمانة له، ولهذا فالديمقراطية ليست من الإسلام في شيء، ومن ظن أن الفقه الإسلامي دل عليها بواقعها الذي نراه فهو جاهل.

وهذا لا يمنع أن ينجح أحيانا من هو أهل لتمثيل الناس، وذلك يختلف باختلاف الأحوال، وطبيعة الناخبين ولهذا فهي في كثير من الأحيان، مثل المقامرة، يدخل الناس فيها فيغنمون أو يغرمون، وربما أصبحت الأمة ضحية هذه المقامرة.

أما الإسلام فإنه أمر بالشورى، ومعلوم أن الشورى لاتكون لكل أحد، وإنما يستشار أهل الشورى، ويطلق عليهم في الفقه أهل الحل والعقد، بمعنى أن لهم سلطة فعليّة، بها يحلون ويعقدون أمور الأمة ذات الشأن، وليسوا مجرد دمى وصور تلعب بها السلطة كما تشاء.

ولهذا قيل الديمقراطية تعد الرؤوس ولا تزنها، فيكون صوت أجهل الناس وأحمقهم، يساوي صوت أعلمهم وأعقلهم، ولعمري إن هذا لغاية الجهل، أعني أن يُسوّى بين أعظم الأمور اختلافا، في نظام واحد، وأي فكرة أجهل من هذه الفكرة؟

والباعث على انتشار أخذ الناس في الأصل بهذه الفكرة، هو ردة الفعل من تسلط الظلمة في عصور الظلام الأوربية التي كان فيها الإقطاعيون والملوك، يعدون الناس مثل الحيوانات لاقيمة لاحد منهم مهما بلغ من العلم والكفاءة مالم يكن نبيلا بالنسب، فلما ثاروا على هذا الوضع الجائر، أتوا بهذه الفكرة الديمقراطية كردة فعل، وغالبا ما تكون الأفكار التي هي ردة فعل غير موزونة، وهذه منها، وإن كانت قد تكون أهون مما هو شر منها.

ثم إنها لما انتشرت هذه الفكرة، آلت إلى أنها تحصر الوصول إلى السلطة بمن يملك القدرة على شراء أصوات الناخبين، سواء بالمال الذي يمكنه به أن يمول حملته الانتخابية، أو يشتري أصواتهم، بطريق مباشر أو غير مباشر عن طريق خدمات يقدمها إليهم، أو بانتسابه إلى حزب أو عصبة يمكنها أن تحصد له الأصوات بطريقة ما.

فكأن الأمر انتقل من ديكتاتورية الملك إلى دكتاتورية الطبقة الغنية القادرة على الاستفادة من اللعبة الديمقراطية، ولكن الفرق أن هذه الطريقة الثانية استطاعت أن تخدع الناس فتسكتهم، فإن نازع أحد ذوي السلطة الذين ملكوها باللعبة الديمقراطية قالوا: نحن منتخبون، ولك أن تدخل اللعبة وتجرب حظك أو لتصمت، هذا هو الفرق الوحيد، فلا يملك الاعتراض على تسلطهم، ثم هم قادرون أن يملكوا الإعلام بنفوذهم وتسلطهم، فيسخرونه لهم، فيعود الأمر كله إلى ديكتاتورية مبطنة، كما هو الحال في أمريكا تماما، كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت