وقد ورد الوعيد الشديد في ذم من سأل الناس من أموالهم، خصوصًا إذا كان معه ما يكفيه، او ما يعيشه أو يغديه فكيف بمن يسأل الاموات قضاء الحاجات، قال سبحانه: (او لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) ، وقال سبحانه وتعالى في سورة الجن: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) ، وقال في سورة الاحقاف: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) ، وقال في سورة يونس: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) وقال في سورة المؤمنين: (ومن يدع مع الله إلها أخر لا برهان له عند ربه فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) . وقال في سورة العنكبوت: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الى البر إذا هم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) ، ففيهم من الآيات أن من دعا غير الله يكون ضال ظالم مشرك كافر، وهذه اللام لام للعاقبة أي عاقبة شركهم، والكفر والتمتع، فإن قيل: إن الداعى إنما أراد التقرب الى الله بدعوته والشفاعة الى الله.
فالجواب: إن هذا عين ما أراده المشركون، بدليل قوله تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى) وفى الآية الأخرى: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ، وختم الآية الاولى بقوله: (ان الله لا يهدى من هو كاذب كفار) ، وختم الثانية بقوله سبحانه وتعالى: (عما يشركون) ، فان قيل: إنهم يظنون أنهم على هدى لا أنهم على ضلالة.
فالجواب: قال الله سبحانه وتعالى: (قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون، فريقًا هدى وفريقًا حق عليه الضلالة إنهم اتخذواالشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) .
ففيه دليل على ان الكافر الذى يظن أنه في دينه على الحق والجاحد المعاند سواء، وقد فسر ابن عباس رضى الله عنهما (القسط) هنا بألا إله إلا الله وفسره الضحاك بالتوحيد، وقال سبحانه: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) وفى تفسير البغوى عند قوله تعالى في سورة يونس: (وهو الذى يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين) .
قال: أي أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدًا سوى الله تعالى. إنتهى.
ففيه: أن الدعاء هو الدين، والاخلاص فيه هو التوحيد ودعوة غير الله شرك.
فإن قيل: إن الدعاء لغير الله يكون من الشرك الأصغر مثل الطيرة والحلف بغير الله لأنه قد ورد أنها شرك وفسروها بالأصغر.
فالجواب: إن الحلف يكون تارة من الأكبر إذا قصد به تعظيم المخلوق كتعظيم الله، وأيضًا لا مساواة لأن الحلف والطيرة لم يقع النهى عنهما إلا بعد مدة من الاسلام ووقع من الصحابة بعد إسلامهم كالمشرك بالنوء أيضًا.
وأما الدعاء لاعتقاد النفع والضر من المدعو من دون الله لقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، وشفاء المريض، وقضاء الغرض، فهو الذى كان عليه المشركون، وهذه عبادتهم وشركهم، والعكوف والذبح ونحوهما فروع هذه المطالب، ونتيجة إشكال دعوة الميت والغائب يجعلوا منهم وسائط بينهم وبين الله، والوساطة في هذا منتفية، وفيها تشبيه للخالق وهى شرك محض.