لذا قيل: هذه الايات أنزلت في المشركين عباد الأصنام المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلا تكون في غيرهم ولا تشتمل على سواهم.
فالجواب: إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود هو الشرك، فالحكم في ذلك واحد، لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع، وفى الحديث:"حكمى على الواحد كحكمى على الجماعة"وفى أصول الفقه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها الى غيرها. وهذا باطل وتعطيل لجريان الاحكام الشرعية على جميع البرية. فان آيات الحدود والجنايات والمواريث والديات نزلت في قضايا قد مضت ومضى أهلها الذين نزلت فيهم وحكمها عام الى يوم القيامة، لأن العام لا يقصر على السبب وخطابات الشرع تتعلق بالمكلف المعدوم تعلقًا معنويًا، وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما في مثل ذلك فيما نزل على بنى اسرائيل وأنه علينا مثلهم، فقال:"ما أشبه الليلة من البارحة".
وقال بعضهم الاخوة بنو اسرائيل، اذا كان كل حلوة لكم وكل مرة لهم.
وفى الاصول الفقهية أن شرائع من قبلنا شرائع لنا عند الثلاثة.
وعند الشافعى أنه شرع لنا إذا ورد تقريره في شرعنا، وهذه المسائل ورد شرعنا في تقريرها، ونطق القرآن والسنة بتكريرها وإنما هذا جواب عن السؤال وإلا فما نهى عنه صلى الله عليه وسلم مشركىلعرب وقاتلهم عليه ونزل القرآن فيه آيات محكمات غير منسوخة للأول والأخر، بل والآيات النازلة فيمن قبلنا من الأمم مع ان شرعنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم أغنت وأقنت وأكفت وشفت وأعادت وأيدت وأظهرت ومضت، فلله الحمد رب السموات ورب الأرض ورب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.
وفى تفسير آخر البقرة أنهم قالوا: أكلفنا من العمل ما لا نطيق.
فقال صلى الله عليه وسلم"أتريدون أن تقولوا كما قال من قبلكم سمعنا وعصينا"فشبه ما قالوا من الكلام بقول من سلف من الانام.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه اذا رأى مخيلة تغير وجهه وتلون ودخل وخرج واقبل وأدبر، فإذا أمطرت السماء سرى عنه، قالت فذكرت له الذى رأيت فقال:"وما يدريك لعله كما قدم فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا".
والله سبحانه قد تبين لنا الاحكام وفسر لنا الحلال والحرام، وأحاط الشريعة المحمدية بدقائق العلوم واشتملت على الفروع والأصول بالمنطوق والمفهوم، وقد تركنا صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها وما طار طائر في الجو الا جعل لامته منه ذكرًا، وقد أفادت السنة بكيفية الاستجمار بالأحجار كيف وصفها، بل في سنن ابى داود وفى آداب التخلى قولهم:"لقد علمكم نبيكم حتى الخراءة".
فما بالك أيها الانسان بمسالة عظيمة مهمة، لأجلها أعدت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين، ولا يبينها ويوضحها ويشرحها.