الصفحة 5 من 19

إن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، الذى هو الإفراد بأفعال الله، وصفاته، واتصافه بذلك دون غيره، كالخالقية، والرازقية، والملكوتية، وغيرها من صفات الربوبية، وأن غيره مربوب له، ومخلوق له، ومرزوق ومتصرف فيه، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرا، ولا موتاَ ولا حياةً ولا نشورا، وأنهم مقرون بذلك، وإن ذلك لم يدخلهم في الاسلام، ولم يحرّم دماءهم وأموالهم لانتفاء شرطه وشطره، من توحيد الألوهية، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى في سروة يونس: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى تصرفون) .

وبتفهم الآية تفريقهم بين الربوبية والألوهية، أنهما حيث اجتمعا افترقا وحيث افترقا اجتمعا، وعلى هذا سؤال القبر في قوله من ربك، أي: من ألهك، لان توحيد الربوبية لا يمتحن بها، وكذلك قوله تعالى: (قل أغير الله أبغى ربا) أي إلهًا، وأما افتراقهما فقوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس) فاعرف هذا، وقال سبحانه في سورة المؤمنين.

(قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون، بل اتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون، ما أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) .

والاستفهام هنا للتقرير، وقد اخبرنا بما يقول العليم الخبير، وقال في سورة العنكبوت: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) وتفسير هذه الآية إيمانهم بتوحيد الروبية، وشركهم في توحيد الألوهية، وهنا اجتمع الشرك والأيمان اللغوى، وقال تعالى في سورة الزخرف: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون) وقال سبحانه وتعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) .

بل هذا فرعون مع أن دعواه أقبح دعوى، يقول الله فيه حاكيًا عن موسى عليه السلام: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر) وقال إبليس اللعين: (إنى أخاف الله رب العالمين) فبعث الله النبى محمدًا، صلى الله عليه وسلم، يدعوهم الى الله، بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، وأن يفردوه بكلمة لا إله الا الله، معتقدين معناها، عاملين بمقتضاها، لا يدعون مع الله أحدًا، ولم ينكر المشركون على الرسل، إلا طلبهم إفراد العبادة لله وحده، ولم ينكروا الله ولا أنه يعبد بل أنكروا كونه يفرد.

(وقالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) .

وعبادتهم العكوف عند معابدهم، والهتوف عند شدائدهم والذبح لها، مع اعتقادهم أن صفات الربوبية لله وحده، ليس لشركائهم منها شئ، وأنهم يريدون التقرب بذلك والشفاعة عند الله، فبين شرك أهل زماننا وشرك الأولين فروق أربعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت