الصفحة 17 من 19

فى ذكر من قال إن هذا شرك يحل الدم والمال ويوجب الحرب والقتال بعد قيام الحجة وبلوغ الدعة ووصول العلم وظهور الكفر منه، وهذه الاشياء قيود وشروط لما اطلقه في هذا المبحث ولا تكفير بالظن أيضًا، فالعلم بالاستقصاء غير ممكن، وليس بعد كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كلام يطلب الاستدلال (فماذا بعد الحق الا الضلال) ومن أصدق من الله حديثًا، والسنة النبوية هى الحجة عند النزاع، والمراد تنازعت الأشياع فمن استدل بها واعتمدها فقد افلح، ومن استعملها ووزن بها فميزانه الارجح، قال تعالى: (ما ينطق عن الهوى إن هو الا وحى يوحى) وقد سمعت ما مر من الآيات البينات والأحاديث الواردات.

إذا البينات لم تغن شيئًا فالتماس الهدى بهن عياء

وإذا ضلت العقول على علم فماذا تقول النصحاء؟ لكن سنذكر من كلام العلماء ما يدل على أنهم ورثة الانبياء ومصابيح الظلماء، فأولهم صديق هذه الأمة أبو بكر رضى الله عنه، فإنه قال في قتال أهل الردة: (لأقلتن من فرق بين الصلاة والزكاة، بل قال: لو منعونى عقالًا كانو يعطونه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه واستحل دماءهم وأموالهم بمحضر من الصحابة رضى الله عنه فصار إجماعًا، وأكبر شى في ردتهم على تنوعها، قولهم إن مسيلمة الكذاب نبى، فكيف بمن قال إن غير الله إله يعبد او عبده أو اعتقد فيه الالهية وجعله متصفًا، وإن لم يقلها بلسانه، ووافق عمر رضى الله عنه على قتال من فرق بين الصلاة والزكاة بعد ان توقف منهم، ثمّ ظهر الدليل فسلكوا سواء السبيل.

وقال بكفر تارك الصلاة جماعة من الصحابة والتابعين، ففى كتاب الترغيب والترهيب للمنذرى عن ابن حزم أنه جاء كفر تارك الصلاة عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى هريرة.

وقال المنذرى وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم الى تكفير تارك الصلاة متعمدًا حتى يخرج وقتها، ومنهم ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المبارك هذا، في تركها.

وقد صنف القحيطى في ذلك مؤلفًا، وأما جحودها فكون ذلك كفر، فمسالة وفاق بين العلماء فكيف بمن ترك التوحيد او جحد حق الله على العبيد او جعل المخلوق في مرتبة الخالق وشبه بالشرك والتنديد.

وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى لها باسًا - وفى رواية لا يريد بها بأسًا - لا يتبين فيها ولا يظن ان تبلغ به ما بلغت. فيفطن لها فإنها مفيدة، بل في قصة غزوة تبوك ان الذين تكلموا بالكفر ونزل فيهم قوله تعالى (لا تعتذروا قدر كفرتم بعد إيمانكم) أنهم اعتذروا بالمزح والخوض واللعب ولم يعذروا، ونزل قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) .

وقد حكم الصحابة بكفر من استحل الخمر متأولا قوله تعالى: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) .

ومن أولئك قدامه بن مظعون لكنهم تابوا ورجعوا عما تأولوه، كما وقع لحاطب بن أبى بلتعة مما ذكره الله في سورة المائدة وهم عمر بقتله، لو لا ما ذكره من العذر.

فما بالك بمن استحل الشرك ولو كان أصغر فإن استحلال المحرم القطعى كفر إجماعًا، وكذلك حكم ابن مسعود في زمن عثمان بكفر الذين تكلموا في مسجد بنى حنيفة في الكوفة بأن مسيلمة مصيب في دعواه، وحكم على رضى الله عنه بكفر الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه صفة الالوهية ثمّ حرقهم بالنار. فهذه سيرة الخلفاء الراشدين فيمن كان يقول لا إله إلا الله ثمّ صدر عنه ما ينافيها وينقض بنيانه فيها، وإن كانوا بين معتذر ومتأول وتائب إنما الغرض التكفير وأن ذلك كفر وشرك وإن كانوا من قبل مسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت