الصفحة 18 من 19

وأما ما حصل بعد الخلفاء فمن ذلك حكمهم بقتل الجعد بن درهم وجهم ابن صفوان لتعطيل رب العالمين من الصفات التى نطقت بها الآيات، ولقولهم: إن القرآن مخلوق وإن الأمر آنف. حتى صار أهل الكلام من فرق الضلال وأفتى الشافعى بتحريمه.

(أي: تحريم علم الكلام، وهو علم الجدال) ، وأما إتباع الأئمة فأقاويلهم في ذلك كثيرة، وأسلوب أهل كل مذهب أن يجعلوا بابًا مستقلًا يسمونه باب الردة، وباب حكم المرتد ويفسرونه: المسلم الذى كفر بعد إسلامه، ثمّ يسردون المكفرات ويطيلون فيها المقالات ومن أوسعهم في ذلك الحنفية، وأما الحنابلة فحصرها بعضهم في أربعمائة مسالة كل واحدة تنقض الاسلام وتلحق فاعلها بعبدة الاصنام، والشافعية والمالكية لهم في ذلك مباحث طويلة مثل ذلك، ولابن حجر الهيثمى مؤلف سماه الاعلام بقواطع الاسلام وفى مؤلفه الزواجر نبذة من ذلك، وفى مشارق الانوار من كتب الشافعية باب طويل في ذلك، ولابن المقرئ في مؤلفاته نحو ذلك، وشراح المنهاج للنووى اوضحوا تلك الهوالك.

ونقل الامام ابن تيمية والشيخ ابن حجر الاجماع على كفر من جعل بينه وبين الله واسطة يدعوهم ويتوكل عليهم، وبعض ما ذكروا في الردة في مسائل فرعية ليست من القواعد الاسلامية ولا من الستة أصول الايمانية: الايمان بالله وملائكته، فما ظنك بمسالة التوحيد لله سبحانه وتعالى بالعبادة التى هى أصل"أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها"فجعل الغاية التى ينتهى عندها القتال الثلاثة أمور المذكورة في الحديث لأن القول المجرد عن الاعتقاد والعمل غير مفيد، وآلا فقد قال اليهود ذلك.

والمراد معناها لا مجرد لفظها، وأن يقولوها عن قوله عليه الصلاة والسلام ملتزمين معناها النفى والإثبات، عاملين بمقتضاها، غير فاعلين ما ينافيها من الشرك.

فإن قيل: فكيف إذا كانوا يأتون بالثلاثة المذكورة لكنهم يصرفون بعض العبادة الى غير الله مثل الاعتقاد في المقبورين ونحو ذلك.

فالجواب: إن القصص المذكورة آنفًا فيمن جرى عليه القتل في زمن الخلفاء هو فيمن كان يفعل الثلاثة الأمور ويناقضها بما يوجب قتله.

فإن قيل هؤلاء لم يعملوا ذلك وأنه ينافى أحسن المسالك؟.

فالجواب: إن المقرر إنما هو تكفير من بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة وأبى وعاند بعد العلم مصرًا على شركه، فمن حين ظهرت هذه الدعوة النجدية الى توحيد الالوهية وجرت عليها السيوف فمن ردها وأباها فالكلام عليه واللوم متوجه اليه، وهى الآن بحمد الله قد غارت وطارت، والقرآن العظيم أكبر حجة على من بلغه.

والمسائل الواضحة التى يشترك في معرفتها الخاص والعام مثل توحيد الله بالعبادة، وأنه لا شريك له فيها، يدل عليها القرآن دلالة صريحة ومعقولة، للتالى والسامع هداية العقل الى ذلك ودلالته عليه وفهم الحجة غير بلوغها، وللعلماء وأقوال في هذا المجال، وقد نص القرآن العظيم على ذم قوم يحسنون صنعًا وأما الاموات فقد افضوا الى ما قدموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت