وهذه الآية فيها وجواب البراءة منهم والكفر بهم وظهور العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده فالغاية التى ينتهى عندها هذه الأمور هى الإخلاص في العبادة والتصديق بالله والإذعان له وقال الله تعالى في سورة الزخرف: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إننى براء مما تعبدون، إلا الذى فطرنى فإنه سيهدين) (وهذه الكلمة الباقية في عقبه هى) معنى (لا إله الا الله) ، إذ معناه يعنى أننى براء منكم (النفى) ، وقوله إلا الذى فطرنى، (الاثبات) ، ذكر هذا البيهقى في كتاب (الاسماء والصفات) وقال الله تعالى في سورة النحل: (ثمّ اوحينا أليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين) .
ومعنى الخطاب يقتضى العموم، فهذه ملة أبينا إبراهيم أيها السالكون، وهذه سنة نبينا - عليهما السلام أيها المتبعون، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
وقال سبحانه وتعالى في سورة الانعام: (وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا هدينا ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى والياس كلًا من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًا فضلنا على العالمين، ومن ابائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) .
وهاهنا أسكب العبرات، إذا كنت من أهل الاعتبارات، لمعانى العبادات.
والحجة التى أوتى إبراهيم على قومه: قال مجاهد هى قوله تعالى: (والذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) ذكره البغوى، والظلم ها هنا هو الشرك، ذكره البخارى في صحيحه في كتاب التفسير، وقيل هى التى احتج بها إبراهيم على قومه من أقوال الكواكب وغيرها.
وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.
وقال الله تعالى في سورة الأعراف: (لقد ارسلنا نوحًا الى قومه فقال ياقوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) .
وقال تعالى (والى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره أفلا تتقون) وقال سبحانه وتعالى: (والى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره) وقال الله تعالى: (والى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره) وذكر (سبحانه) لوطًا عليه السلام، ثمّ قال عز من قائل عليهم في بيان دعاء أكثر الرسل الى التوحيد: (ثمّ بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا الى فرعون وملائه) الى أخر ما قصه الله (عز وجل) فى سورة الأعراف من دعوات الرسل عليهم السلام، وختم ذلك (سبحانه) بذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: (قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعًا الذى له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته وأتبعوه لعلكم تهتدون) .
وقال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: (الر كتاب أحكمت آياته ثمّ فصلت من لدن حكيم خبير الا تعبدوا الا الله أننى لكم منه نذير وبشير) ، فتفكر في الدعوة، ما هى؟ فقد قص الله علينا في كتابه العزيز دعوة الرسل من أولهم الى أخرهم، صلوات الله عليهم أجمعين، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة هود: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) .