أما تقييد الكفر بالاعتقاد فهو مذهب المرجئة (على خلاف بين من جعل الاعتقاد لازما وهم مرجئة الفقهاء والمتكلمين، وبين من جعله شرطا مستقلا وهم الغلاة الذين أكفرهم السلف) [1] ، وهذا خلاف ما ورد عن ابن تيمية في كلامه عن قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 31] ، قال:(هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب) [2] ، وهو خلاف ما ورد عن الصحابة كابن مسعود والحسن رضي الله عنهم، فقد قال القرطبي في تفسيره: (وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقدا ذلك ومستحلا له) [3] ، وقد نبه صاحب الجامع على أن جملة (معتقدا ذلك ومستحلا له) هي من كلام القرطبي، وليست من كلام ابن مسعود والحسن رضي الله عنهم (2/ 862) ، فقد قال القاسمي في تفسيره: (ونقل في"اللباب"عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق، وإليه ذهب السدي،
(1) الجامع (2/ 845) .
(2) مجموع الفتاوى (7/ 70) ، وقد علق صاحب (الجامع) على كلام شيخ الإسلام هذا قائلا: (وأما قول ابن تيمية في الوجه الأول(فيعتقدون تحليل ما حرم الله ... واعتقد ما قاله ذلك) فهذا الكلام خطأ، إذا أراد أنه لا يكفر من اتبع التشريع المخالف إلا إذا اعتقد أنه الحق والصواب والأولى بالاتباع، وهذا هو الظاهر من كلام شيخ الإسلام) (ا. هـ) (2/ 846،844) ، والصواب أن من نظر في قول شيخ الإسلام -هذا بدقة- وجد أن قوله (فيعتقدون تحليل ما حرم الله ... واعتقد ما قاله ذلك) ، هي جمل اعتراضية فقط، وإلا فإن كان ما لاحظه صاحب (الجامع) صحيحا لناقض شيخ الإسلام نفسه في عموم أقواله التي رتب فيها الشرك على مجرد اتباع التشريع المخالف بالعمل به، وهو ما ذكره في نفس الكتاب بعد كلامه السابق، قال: (من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه) (مجموع الفتاوى(7/ 71) والله الموفق للصواب.
(3) أحكام القرآن (6/ 190) .