فهرس الكتاب
- 📄
فرغم أن (الشائع هو استعمال لفظ الجحد في إنكار الواجب) [1] ، إلا أن هذا غير صحيح بإطلاق، فهذا هو المعنى الذي حصره فيه متأخروا الفقهاء وتابعهم عليه كثير من المعاصرين [2] ، وهو نفس ما ذهب إليه صاحب (الجامع) عندما قال: (والجحود هو الإنكار والتكذيب( ... ) ومعنى الجحود في اللغة: إنكار الشخص للشيء مع علمه به ( ... ) وهذا هو الجحد: اعتقاد صدق المخبر مع تكذيبه في الظاهر [3] ، واستدل على ذلك بقوله تعالى -حكاية عن قوم فرعون- (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: 14] ، قال: (فمع استيقانهم بأن ما جاء به موسى هو الحق كذبوه في الظاهر) [4] ، وهذا غير صحيح، فإنهم مع استيقانهم بأن ما جاء به موسى هو الحق استكبروا، ولم يلتزموا بما جاء به ولم يتبعوه.
والشاهد عندنا هو الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود، وقال:"سل"فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في ظلمة دون الجسر، فقال اليهودي: فمن أول الناس إجازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيادة كبد الحوت، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها، قال اليهودي: صدقت، ثم قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، ثم قال: جئت أسألك عن الولد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإن اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة أنثا بإذن الله، قال اليهودي: صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف وذهب) .
(1) عبد القادر بن عبد العزيز/ الجامع في طلب العلم الشريف (2/ 457) .
(2) ومنهم صاحب كتاب (نواقض الإيمان الاعتقادية) في قوله ( ... فالإمام هنا(أي ابن بطة) ... عبر عن إنكار الواجبات الظاهرة بالجحود والتكذيب) ثم قال (إن المتأمل لا يكاد يفرق بين مفهوم كفر الجحود والتكذيب والاستحلال والإنكار) (؟!) (ص57) وهذا غير صحيح (؟!) فإن قول الله تعالى (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) صريح في التفريق بين الجحود والتكذيب، وعن هذه الآية يقول شيخ الإسلام (فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود، ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب ... ) (الرسالة التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى 5/ 164) .
(4) قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية (أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى، وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين) (الجامع لأحكام القرآن 7/ 110) .