الجحود في اللغة أطلقه السلف على الامتناع عن أداء الحق الواجب، ومثال ذلك: تسمية المرتدين جاحدين للزكاة، أي ممتنعين عن أدائها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: (وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب) [1] .
(ومعلوم أنهم لم ينكروا أن الله فرض الزكاة، ويقولون إنها ليست من الدين، ولو قالوا ذلك لسموا جاحدين للدين والقرآن، ولما اختلف الصحابة في شأنهم قط، ولما احتيج في الاستدلال على كفرهم إلى قياس ولا غيره، وإنما جحدوا الالتزام بها، أي أصروا على ألا يدفعوها -مع الإقرار بأنها من الدين- ولهذا عرضت الشبهة لعمر وغيره في قتالهم [2] ، حتى استدل الصديق بما هو مجمع عليه بينهم من تكفير تارك الصلاة(لا جاحد وجوب الصلاة) .
فمناط الإختلاف في أمرهم أولا، ثم مناط الإتفاق على قتالهم وتسميتهم مرتدين أخيرا كان المنع والإباء، وقد بلغ الأمر بالصحابة من زوال الشبهة إلى أن قالوا: (لو أطاعنا أبو بكر كفرنا) [3] ، كما أن أصل الخلاف بين السلف والمرجئة القدماء إنما كان في ترك الطاعات [4] لا في إنكار وجوبها، ولكن مع تطور الظاهرة وتداخل الشبهة، ودخول شبهة الإرجاء على بعض الأئمة من الفقهاء وأتباعهم حصل ما حصل ... ). [5]
ولفظ الجحد لم يكن يعني أحيانا عند السلف إلا الترك، قال ابن تيمية رحمه الله: (وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليس لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عند الجاحد كان جوابا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي) [6] ، ولذلك يخطىء بعض المتأخرين فيجعل لفظ (الجحد) مقابل التارك، ويفترض الخلاف، (والواقع أن لا خلاف، وكل تفريق لم يرد في النصوص لا يصح اعتباره، والنصوص المطلقة لا يجوز حملها على أحد المعنيين دون الآخر( ... )
(1) مجموع الفتاوى (28/ 519) .
(2) حصل الاختلاف في قتالهم ولم يكن هناك بحث في تكفيرهم بين الصحابة، فهناك قسم من مانعي الزكاة امتنعوا عن أدائها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه (الخليفة) ، ولم يمتنعوا عن أدائها حملة، فلا بد من تفصيل المرتدين ومراتبهم، وأيهم دخل في المسمى دون الحقيقة فقوتل ولم يكفر، وأيهم كفر وقوتل ... !
(3) المصنف لابن أبي شيبة (12/ 265) .
(4) إضافة إلى أن المرجئة القدماء حصل بينهم إنكار نفي الطاعات أنها من الإيمان، ولم يكن الإرجاء في التكفير إنما في تفسيره فقط ....
(5) الدكتور سفر الحوالي/ ظاهرة الإرجاء (2/ 662) .
(6) مجموع الفتاوى (7/ 614،578) .