الصفحة 42 من 46

علق الشيخ الألباني -رحمه الله- على متن الطحاوية عند قول الإمام الطحاوي: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) ، فقال: (نقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، أن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عندهم) [1] ، ومراد الشيخ الألباني أن أي ذنب لا يكفر فاعله إلا بالإستحلال الاعتقادي، ولذلك فإن الألباني لا يكفر إلا بما يلزم عن الكفر الاعتقادي من عمل، ودال عليه، ولا يكفر بالأعمال المكفرة لذاتها، وحاصل كلام الشيخ هو قول غلاة المرجئة الذين قالوا لا كفر إلا بالإعتقاد بجحود أو استحلال مهما اقترف من المعاصي، وذلك يقوله: (إن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي) ، وهو غير كلام المرجئة الذين قالوا بأن الكفر يكون بالظاهر والباطن، وأن الأعمال الظاهرة المكفرة أمارات على كفر الباطن وهو كفر الاعتقاد، وهذا كله مخالف لما قال به أهل السنة من أن الأعمال الظاهرة المكفرة هي كفر في ذاتها وهي مستلزمة لكفر الباطن.

أما ما ذكره الشيخ الألباني من أن ابن أبي العز الحنفي قال: (إن الذنب أي ذنب كان هو كفر عملي لا اعتقادي) فغير صحيح، بل هو ما نسبه إليه، فقد قال رحمه الله: (ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج) [2] .

ومراد الشيخ الألباني بالكفر العملي هو الكفر الأصغر غير المخرج من الملة، أما مراده بالكفر الاعتقادي فهو الكفر الأكبر، وهذا الفهم -من قبل الشيخ- هو الذي دفع بالكثيرين إلى التوهم بأنه لا كفر إلا كفر الإعتقاد، وبأن الأعمال لا يكفر بها أحد، وهذا ما ذكره في كتاب (التحذير من فتنة التكفير) بقوله: (فكل المعاصي وبخاصة ما فشا في هذا الزمان من استحلال عملي للربا، والزنا وشرب الخمر وغيرها، هي من الكفر العملي، فلا يجوز أن نكفر عموم العصاة المتلبسين بشيء من هذه المعاصي لمجرد ارتكابهم لها، واستحلالهم إياها عمليا! إلا إذا ظهر لنا منهم -يقينا- ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم وأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله اعتقادا، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا عليهم حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة) [3] .

ومن جهة أخرى فإن الإمام الطحاوي أراد بقوله: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) الذنوب غير المكفرة كشرب الخمر والزنا وهي الذنوب التي يكفر بها الخوارج، قال ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا قال علماء السنة في وصفهم"اعتقاد أهل السنة والجماعة"أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب) [4] وقال أيضا: (فإنه قد تقرر من

(1) الألباني (العقيدة الطحاوية، شرح وتعليق،(41،40) .

(2) الألباني شرح العقيدة الطحاوية (356،355) ..

(3) التحذير من فتنة التكفير (71،70) .

(4) مجموع الفتاوى (12/ 476) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت