الصفحة 43 من 46

مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إلا إذا كان فعلا منهيا عنه مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر ما لم يتضمن ترك الإيمان) [1] .

وهو خلاف ما ذكره الألباني تعليقا على شارح الطحاوية حيث قال: (نقل عن أهل السنة( ... ) أن الذنب أي ذنب كان ... ) [2] ، وهو ما لم يذكره ابن أبي العز الحنفي رحمه الله (كما سبق بيانه) ، بل قال أبو الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين) : (ولا يكفرون(أي أهل السنة) أحدا من أهل القبلة بذنب كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر) [3] ، وهو المراد أيضا من قول الشيخ حافظ حكمي في (معارج القبول) : (ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلاله لما جنى،"ولا نكفر بالمعاصي"التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفرا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك) [4] ، وقال ابن تيمية أيضا: (ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) [5] .

وأين هذا مما قاله الألباني -رحمه الله- في كلامه الأخير: (فلا يجوز أن نكفر عموم العصاة المتلبسين بشيء من هذه المعاصي لمجرد ارتكابهم لها، واستحلالهم إياها عمليا! إلا إذا ظهر لنا منهم -يقينا- ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله اعتقادا، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا عليهم حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة) .

فقد قال الشيخ حافظ حكمي (( إلا مع استحلاله لما جنى) هذه هي المسألة الخامسة، وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حرم الله ورسوله لو لم يعمل به) [6]

وحاصل كلام الألباني أنه لا يفرق بين الذنوب المكفرة والذنوب غير المكفرة، والذنب أي ذنب هو كفر عملي بالنسبة إليه، ولا يكفر فاعله بقول إلا بأن يستحله استحلالا قلبيا، والألباني باشتراطه للاستحلال الاعتقادي للتكفير بمطلق الذنوب المكفرة منها وغير المكفرة يقول بقول غلاة المرجئة، وبقول المرجئة يقول كثير من المعاصرين، وباضطراب هؤلاء في مسمى الإيمان وباشتراطهم للاستحلال الاعتقادي سارع الناس إلى الفساد وارتكاب الكبائر، وهذا راجع إلى تأثير المتأخرين بكتابات المرجئة، وضياع أقوال السلف في ثنايا الإرجاء، حتى تعذر على كثير من المعاصرين التمييز بينها وبين أقوال المرجئة.

(1) مجموع الفتاوى (20/ 90) .

(2) الألباني (العقيدة الطحاوية، شرح وتعليق/ 41،40) .

(3) الأشعري (مقالات الاسلاميين 1/ 347) .

(4) معارج القبول (2/ 438) .

(5) مجموع الفتاوى (7/ 302) .

(6) نعارج القبول (2/ 438) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت