ذلك أن كثيرا من المتأخرين (لا يميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف) [1] .
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) عن القاضي أبي يعلى الحنبلي في كتابه (المعتمد) قوله: (من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحل سبه أو لم يستحله -إلى أن قال شيخ الإسلام- إن الحكاية المذكورة عن الفقهاء، أنه(أي ساب الرسول صلى الله عليه وسلم) إن كان مستحلا كفر وإلا فلا، ليس لها أصل، وإنما نقلها القاضي من كتاب بعض المتكلمين الذين نقلوها عن الفقهاء ... ) [2]
أما الذنوب المكفرة فهي التي تخل بأصل الإيمان وهي إما فعل محرم (كسب الله والرسول صلى الله عليه وسلم) ، وهذا المحرم يضاد أصل الإيمان أو ترك واجب يدخل كذلك في أصل الإيمان (كترك التلفظ بالشهادتين والصلاة) . ولتكفير من أتى بالذنوب المكفرة فإنه لا يجوز تقييد كفره بالجحود أو الاستتحلال، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه (الصارم المسلول) : (إن سب الله أو سب رسوله كفرا ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) [3] .
ومما يستدل به على كفر من أتى بالذنوب المكفرة دون تقييد ذلك بإستحلال أو جحود (سواء كانت فعلا أو تركا) ، قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] ، فكفر بمجرد تركه السجود لآدم. يقول سفيان بن عيينة فيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد عن سويد بن سعيد الهروي:(وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا) ، ولهذا قال: (ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس) [4] .
(1) مجموع الفتاوى (7/ 364) .
(2) الصارم المسلول (517،513) .
(3) السابق (512) ، وقد أخطأت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في جواب لها عن السؤال الأول من الفتوى رقم (1727) ، إذ قالت في الجواب: (من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وترك الصلاة والزكاة والحج جاحدا لوجوب هذه الأركان الأربعة أو لواحد منها بعد البلاغ فهو مرتد عن الإسلام يستتاب ... ) وفي هذا خطأ، والصواب أن مجرد ترك الصلاة والزكاة ردة عن الإسلام دون تقييد ذلك بالجحود، قال ابن القيم في كتاب (الصلاة15) : (قالوا -أي المكفرون لتارك الصلاة- ولا نعلم لهؤلاء مخالفا من الصحابة، وقد دل على كفر تارك الصلاة: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة) ، وقال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (7/ 616) : (وعلم أن من قال من الفقهاء إنه إن أقر بالوجوب -أي في الصلاة- وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية) .
(4) السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (100) .